كل واحد منا يختار مكانه في هذه الحياة.. والعجب كل العجب من أناس يستحقون الأعالي، أو يستطيعون أن يكونوا هناك، لكنهم يختارون أن يهبطوا بأنفسهم إلى الدرك الأسفل في الحياة.

وهناك من الناس من لا تسمح لهم ظروفهم الصحية أو الاجتماعية أو غيرها بأن يرتقوا إلى العلا، إلا أن لهم طموحات وهمة تستطيع أن تنتشلهم من قاع واقعهم الصعب، أو ظروفهم المستحيلة، وتصعد بهم إلى القمم، لأنهم لم يرضوا بالقاع، ولا بأن يكونوا في أسفل هرم الحياة وغيرهم في أعلاه.

الانتقال من الأسفل إلى الأعلى خيار صعب، أكثر صعوبة من الانتقال من الأعلى إلى الأسفل، تماما كما هو الأمر في ارتقاء سلم أو النزول منه، ولكن هذا الحكم ليس مطلقًا، لأن الانتقال من الأعلى إلى الأسفل قد يكون بالفعل أكثر صعوبة من الارتقاء من الأسفل إلى الأعلى.. وهذا ليس لعبًا بالكلمات، ولا الغازاً أو تعمية، بل مجرد وجهة نظر.

الصعود أصعب من جهة، لأننا نتجه عكس اتجاه الجاذبية، وفي اختيار الإنسان أن يرتقي بنفسه ويغير واقعه ـ للأفضل ـ ويحسن وضعًا معينًا يعيشه، يكون كمن يصعد للأعلى مخالفًا لواقعه الفعلي، ومفارقًا لمحيطه العام الذي هو جزء منه أساسًا، ومتغلبًا على المحبطات والمعوقات والصعوبات التي ستعترض طريقه حتمًا، كشكل من أشكال اختبار الحياة لصلابته وقوة إرادته في التغيير والانتقال إلى الأفضل. إنه يتجه عكس اتجاه جاذبية واقعه وظروفه.

أما هبوط السلم فلا شيء أسهل منه، وكذلك الحال في الانتقال من أعلى هرم الحياة إلى أسفله.. فالشخص الذي اختار الهبوط سيتجه اتجاهًا متوافقًا مع اتجاه الجاذبية الأرضية، وبالتالي لن يجد صعوبة في ذلك، ولن يشعر بتقطع أنفاسه، أو بأنه يجاهد كي يصل إلى غايته، إنه يهبط.. فقط..

وهكذا الشخص الذي كان في الأعلى ـ في سلم الحياة ـ واختار أن ينزل للأسفل، سيجد الطريق مفتوحة أمامه ليفعل ذلك، والتسهيلات أكبر وأكثر مما كان يتوقع أو يتمنى، فكثير ممن حولنا يمكنهم أن يقدموا يد العون والمساعدة في مثل هذا الاتجاه، بعكس اتجاه الصعود، إذ ستكون المساعدة أقل والمعوقات أكثر.

كثيرًا ما أستحضر هذه الفئة من الناس، وقد أستحضر أمثلة أشخاصًا بعينهم، حينما أرى عصفورًا ـ أو أكثر ربما ـ اختار أن يمشي على الأرض، مع أن الفضاء ممتد أمامه هناك في الأعلى لا يكاد يزاحمه فيه أحد، ومع ذلك يختار أن ينزل إلى الأرض، وفي أحيان كثيرة يمشي مشيا دون أن ينقر بمنقاره على الأرض بحثًا عن طعام.

كأنه ملّ مكانه في الأعالي واختار أن ينزل إلى الأرض، فيكون مصيره إما الحبس في قفص، أو الدهس تحت إطار سيارة، أو إن كان سعيد الحظ وأدرك نفسه فسيتمكن من العودة لمكانه الطبيعي مرة أخرى.

لا أستطيع حين أرى عصفورا أعطى جناحيه إجازة، وأعمل رجليه مشيًا على أرض مستوية حينًا ووعرة حينًا آخر، إلا أن أعجب من اختياره وأربط بينه وبيننا نحن البشر، فمنا من يتمنى لو كان له هذان الجناحان وتمكن من الطيران ليصل بهما إلى أعلى مدى يمكنه أن يصل إليه.

ومنا من يشبهه وله جناحان مثله ـ بالمعنى الرمزي بالطبع ـ ولكنه أيضا يعطيهما إجازة مفتوحة، ويعمل رجليه كذلك العصفور تماما، أحيانًا في أرض مستوية وأحيانًا في أرض وعرة، مع أن جناحيه يسمحان له بأن يكون في أعلى ارتفاع قد يرغب في الوصول إليه، لكن الحياة اختيارات، وهو قد اختار.

ومن جهة أخرى، يبدو لي الهبوط أصعب، لأن الإنسان حين يهبط يضطر للتخلي شيئًا فشيئًا عن أشياء ليس من السهل التخلي عنها، كالقيم والمبادئ، أو بعض عادات وتقاليد اجتماعية أو عائلية، أو قد يتنازل عن بعض الثوابت الدينية التي لا يجب أن تُمس..

لن يحدث كل هذا دفعة واحدة بالتأكيد، فالهبوط فعل تدريجي عادة، كالصعود كما أظن ـ مع فارق بسيط سآتي عليه بعد قليل ـ وسيتخلى الشخص «الهابط» في كل مرة عن شيء سيراه بسيطًا، وأحيانًا سيتخلى عن أشياء ليست بسيطة وسيشعر في الوقت نفسه بذلك، لكنه سرعان ما سيجد لنفسه عذرًا أو مبررًا أو مخرجًا يجعل الأمر بسيطًا و«عاديًا»، وهو لا يدرك أنه يتخلى في كل مرة عن جزء من نفسه حتى يتحول إلى مسخ، وهكذا إلى أن يجد نفسه في لحظة وكأنه سقط مرة واحدة.

وهذا هو الفرق بينه وبين الشخص «الصاعد»، إذ يعيش هذا الأخير كل مراحل صعوده مرحلة مرحلة، وحين يصل إلى هدفه ومكانه الذي اختاره، سيراجع بينه وبين نفسه كل مرحلة وصل إليها وتوقف عندها، والصعوبات التي واجهته وكيف تغلب عليها، وسيشعر بلذة كل هذا.. وبمقدار ما واجه وتجاوز من صعوبات، سيكون إحساسه بلذة الوصول والنجاح.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com