قد يبدو هذا السؤال عادياً لدى كثيرين ممن اُخِذوا بالشائعة التي ترى إسرائيل بوصفها خلاصة الحداثة الغربية، إلا أن السؤال نفسه لا يلبث أن يتحول إلى إشكال متى حرص رموز التفكير العلماني الإسرائيلي على توكيد الهوية اليهودية لدولتهم. لو رأينا إلى النقاش الذي يحتدم هذه الأيام بصدد ما يطلق عليه «حل الدولتين»، سوف نجد الإشكالية على أتم تعقيداتها.

الصورة الإسرائيلية في الثقافة السياسية العربية، تبدو مختزلة إلى حدود بعيدة. اللاّفت في الصورة المشار إليها، أن الجهود المبذولة لجلاء هندستها المعرفية تبدو واهنة على العموم. فليس ثمة في النقاش الثقافي العربي، غير القليل مما يتناول قاع الجدل الفكري الإسرائيلي حول هوية الدولة والمجتمع. في حين نجد أن مثل هذا الجدل يبلغ حدوده القصوى، كلما طرأ تطور سياسي نوعي من مثل قضية الدولتين كحَل شامل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

حتى أولئك الذين امتدحوا فرادة إسرائيل، بوصفها دولة علمانية في محيط من التوتاليتاريات الدينية في المنطقة، عادوا القهقرى ليواجهوا خرافة الادعاء. وها هو الكاتب في صحيفة هآرتس جدعون ليفي، يكشف عما يمكن أن نسميه «ثقافة القشرة»، التي ظهر وهنُها بعد أكثر من ستة عقود على قيام الدولة اليهودية في فلسطين.

حسب ليفي فإن الداعين الجدد إلى قانون التوراة، يريدون أن تصبح إسرائيل دولة شرعية، حيث يبدو أن «اللاَّوعي» الذي تبتعثه الأطروحة الاستيطانية، يحملهم على الدوام الإحساس العميق بلا مشروعية الدولة اليهودية. وذلك يعني أن مجمل التراث العلماني الذي اصطنعته الحركة الصهيونية لنفسها، لكي تعلن انتسابها لحداثة التنوير الحضاري الأوروبي، بات عرضةً للانهيار والتبدد.

بالطبع لا يتعلق الأمر بما صرَّح به مؤخراً وزير العدل يعقوب نئمان، حول ضرورة العودة إلى دولة الشريعة. فكلام الوزير الإسرائيلي الذي أثار عاصفة من السجال في بعض البيوتات والمحافل الفكرية العلمانية، كان أقرب إلى توصيف أحوال المجتمع والدولة الدينية منه للدعوة إليها.

ثمة في إسرائيل هذه الأيام تظهير للاستعصاء المتجدد المتصل بهوية الدولة، ولعل الاحتدام الآخذ في التصعيد منذ بداية حكم رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، لجهة حل الإشكال التاريخي الفلسطيني، هو ما يمنح النقاش حرارته القصوى بين تيارات المجتمع السياسي الإسرائيلي.

يفضي النقاش بين هذه التيارات إلى أن الدولة التي أنشأتها الحركة الصهيونية قبل أكثر من ستين سنة، هي الآن على المفترق. وهو ما ينعكس في السياسات الداخلية، وفي الصراعات بين الأحزاب، وعلى مستوى العلاقات بين اليهود والأقليات العربية، مثلما يظهر في السياسات الخارجية وعلى صعيد التعامل مع أطروحة دولتين لشعبين.

في سياق الجدل حول يهودية الدولة، مضى عدد من الباحثين إلى اعتبار العنصرية والتنوع الثقافي، ثنائية معيارية يتوقف على الأخذ بأحد طرفيها، وجوب تعيين حقيقة الهوية الثقافية والإيديولوجية لدولة إسرائيل.

العنصرية مثلاً، هي موقف يعزى لمجموعة سكانية مشخصة، على أساس عرقي أو جنسي أو ديني أو قومي أو طائفي، دونيةً وتخلفاً أو صفات فاسدة ومعيبة. وغالباً ما تتفرع عن العنصرية كموقف، عنصرية سياسية فرعية قوامها: التمييز، التفرقة، القمع، الإذلال، أو الإساءة المنهجية للحياة الإنسانية الكاملة والمحترمة، على مستوى الحقوق والفرص.

أما التنوع الثقافي، فيعترف بالاختلاف الكبير بين المميزات والمصالح للجماعات الثقافية، إلا أنه، خلافاً للعنصرية، يلتزم بإتاحة المساواة في الحقوق والفرص للجميع، بما في ذلك الحفاظ على التراث والهوية الخاصة لكل جماعة، وضمن إطار المحافظة على قواعد العدالة الديمقراطية والتنوع الثقافي. من بين الفوارق والمجالات الثقافية، هناك فقط العنصر القومي الذي يضع المجتمع الإسرائيلي أمام تحدي الحسم بين العنصرية والتنوع الثقافي.

والادعاء المعلن ضد العرب في إسرائيل، لجهة اعتبارهم جمهوراً معادياً وغير موالٍ للدولة، يصبح أكثر قوة عندما يرتكز إلى تحليل محدد يرى في إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية، وهو تحليل يعطي وزناً أكبر للمركَّب «اليهودي» على حساب المركَّب «الديمقراطي»، كما يبين التحليل الإسرائيلي..

بحسب بعض أصحاب هذا التحليل، (نمرود ألوني، «يديعوت أحرونوت» 19/3/2009)، فإن دولة إسرائيل هي بيت ووطن السكان العرب، وبصورة لا تقل عن سكانها اليهود.

سوى أن رؤية تحليلية كهذه تتطلب مستوى كبيراً من العمى الإنساني والجمود الأخلاقي، لكي يعتقد المرء أن الأقلية العربية في إسرائيل يمكن أن تتماهى مع رؤية الدولة اليهودية والديمقراطية. فالجمهور العربي لا يمكنه أن ينشد النشيد الوطني بانفعال، كالجمهور اليهودي الاستيطاني.. وذلك لسبب بسيط؛ هو أن هذا النشيد ليس نشيدهم، وأنه لا يوجد بينهم «نفس يهودية تتوق إلى صهيون».

لعل أولئك الذين يرون في أنفسهم صهاينة ومتماهين مع الموقف الذي عُرض أعلاه بشأن حق اليهود في بيت قومي ضمن إطار دولة سيدة، لا يمكنهم، بحسب بعض تحليلات اليسار الإسرائيلي الجديد، إلا أن يكونوا عنصريين في حال رفضوا إعطاء الشعب الآخر الذي يعيش معهم ما يطالبونه لأنفسهم.

لو انطلقنا من الحقائق التي تشير، من جهة، إلى وجود عرب فلسطينيين من سكان إسرائيل ضمن خانة الأقلية القومية والثقافية، ومن جهة أخرى إلى ملايين الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات، والذين يطلبون حق تقرير المصير في إطار دولة سيدة، فإن الاحتمالات المتاحة ستكون واحدا من اثنين فقط: إما دولتان لشعبين، إسرائيل وفلسطين، وإما تخليد الاحتلال، ومن خلال ذلك تخليد وضع الفلسطينيين ضمن واقع القمع والتمييز العنصري.

لا يعني ما تقدم بالطبع أن إسرائيل ملزمة بالانسحاب الفوري من الضفة الغربية دون تسوية سياسية، لكن من الواضح الذي لا يقبل الجدل، أن مجمل الأعمال التي تخلد واقع السيطرة العسكرية، وعلى رأسها توسيع وتكريس الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية، لا يوجد وصف لها سوى نسف خيار الدولتين لشعبين.

وعليه، يرى التحليل اليساري الجديد أن النظر إلى الفلسطينيين كبشر متخلفين ومنحطين، وكأناس لا يستحقون حقوق الإنسان الكاملة كبقية الشعوب، يفضي إلى حالة عنصرية صافية..

أما الإجابات المفترضة بصدد السؤال عن العلمانية الإسرائيلية، فهي تمكث وسط منفسحات قلقة لدى كثيرين من المفكرين اليهود المعاصرين. حتى إن البروفيسور يهودا بوور الذي شارك في مناقشات مؤتمر هيرتزيليا الثامن 2008، وجد في الشعب اليهودي شعباً منشغلاً بهويته حدَّ الهوس.

ورأى أن إدراك هذه الهوية رهن بنهاية الجدل بشأن ماضي اليهود وتقاليدهم. لكن إسرائيل التي اجتمعت في وعاء الدين والدولة والقومية، كما يبيِّن علماء الاجتماع، لن يتيسَّر لها بحال من الأحوال أن تغادر عقيدة الاصطفاء والتميُّز.

رئيس تحرير «مدارات غربية»

mahmoudhaidar327@gmail.com