كان متوقعا أن تهب عواصف اليمين الفرنسي للاحتجاج على الفيلم الجزائري «الخارجون عن القانون»، الذي يعرض الآن على هامش مهرجان كان السينمائي، إلا أن هذا لم يمنع المخرج الجزائري «رشيد بو شارب» من مواصلة إنتاج الفيلم، بل والمشاركة به في عقر دار الفرنسيين أنفسهم، وربما الأصل في ذلك هو متابعة إعادة كتابة تاريخ الاستعمار الفرنسي في الجزائر، والمذابح التي ارتكبها الجيش الفرنسي هناك.

والتركيز على مرحلة رسمت خارطة الجزائر الجديد، بحيث يتسنى لمخرج جزائري، وبإنتاج فرنسي مشترك، قول ما كان يمكن أن يقال طوال تاريخ مشترك بين الطرفين، استطاع الاستعمار الفرنسي خلاله أن ينفذ إلى مسام الأمة الجزائرية ويتغلغل عميقا في فرنستها، لدرجة أن تصبح الفرنسية هي اللغة الأم من حيث الواقع المعاش.

ولعل التوقف عند الفيلم الجزائري وما يثيره من ردود فعل فرنسية وصفته بتزوير الوقائع، هو محاولة فهم أهمية هذه التجربة في ضوء التاريخ، لأن النظرة الفوقية للمستعمِر (بكسر الميم) لا تزال حتى اللحظة ترفض الأصوات النشاز للمستعمَر (بفتح الميم).

هذا ما يجعل إعادة تمثيل التاريخ فعلا ضروريا، لأنه من الناحية النفسية يخلق حالة من الرضا لدى الجزائري الذي يجد أخيرا من ينصف آلامه، ويشعره معنويا بأن هناك من أماط اللثام عن حقبة زمنية مغيبّة ومزورة، وربما سجلها التاريخ في دواوين كتبها المستعمِر (بالكسر)، واليوم حان وقت إعادة صياغتها من جديد.

وفي الوقت نفسه يحاول أن يترك بعض التساؤلات لدى الفرنسيين أنفسهم، بحيث لا ينظرون لتاريخهم الاستعماري بأنه صفحة مشرّفة، وهي في الحقيقة لا تقل سوادا عن تاريخ ألمانيا الهتلرية التي يدينها الأوروبيون بمن فيهم الفرنسي نفسه.

إن من المثير أن نتلمس هذا الدفاع المستميت عن التجربة الاستعمارية الفرنسية، من قبل الفرنسيين اليوم، في حين نستشعر أن عالمنا العربي الذي خضع لفترات تفاوتت من الاستعمار، عانى فيها الفقر والجوع والاضطهاد والاستغلال، قد طوى صفحة الماضي برمتها وأسقطها، بحيث نسي حقوقه التي ضاعت في تلك الفترة!

ولا توجد أية وسيلة ممكنة لإحياء تلك النزعة البحثية التي تعيد كتابة تاريخ الاستعمار في المنطقة، بحيث نعيد لشهداء الأمة بعضا من حقوق تاريخية وتضحيات ذهبت أدراج الريح، وإنصاف تلك الأسماء التي قدمت أرواحها في سبيل تحرير الأرض..

لذلك فإن فيلم «عمر المختار» للمخرج الراحل مصطفى العقاد، جاء وقعه عميقا في نفوس الصغار قبل الكبار، لدرجة أنه لا يشعرك بالملل في إعادة مشاهدته مرات ومرات، لأنه استطاع أن يقدم شخصية تاريخية عظيمة، لعبت دورا مع الثوار الليبيين لتحرير الوطن من براثن الاستعمار الايطالي، ونقل للعالم بأسره حقيقة الثورة.

وصحح مفهوم المقاومة الوطنية وأعطاها شرعية، بعكس ما يحدث الآن للأسف، فالمقاومة في واقعنا المعاصر أصبحت إرهابا، وسقطت مشروعيتها في أراضينا المحتلة لأنها أصبحت فعليا سلوكا غير حضاري، وأصبح قادة المقاومة إرهابيين ملاحقين ومدانين في كل بقاع العالم.

لذا لا بد من تفعيل الأدوات الوحيدة التي لا تزال تحمل شرعية القبول لدى الآخر، وهذا ما يستدعي التاريخ برمته لنبش قبور الأبرياء الذين ذهبوا ضحايا وقرابين، بحيث لا تقل مأساتهم عن مآسي جرائم الحرب التي تحدث اليوم في أفغانستان والعراق والأراضي العربية المحتلة، والتي لن ينصفها التاريخ حتى وقت منظور.

الواقع أن يوميات كتابة وتدوين الحروب أصبحت أكثر سهولة مما كان يحدث في وقت لم يحظ بهذه الثورة الإعلامية الحديثة التي تضعك اليوم في قلب الحدث، وتقدم إدانة مباشرة لما يحدث هنا وهناك.

ورغم ذلك فقدنا الإحساس بمصداقية وموضوعية ما نراه ونقرأه، لأن الحكم على الأمور أصبح يكال بمكيالين، فحتى الاحتلال أصبح له مسوغ مشروع من قبل أصحاب الأرض أنفسهم، وأصبح مفهوم الاستعمار الذي درسناه في المدرسة يختلف عما سيدرّس للأجيال القادمة!

فالتواطؤ الذي نلمسه اليوم من قبل المستعمر (بالفتح) مع سيده المحتل، يكاد يشعرك بالجنون، وتفقد معه إيمانك بتلك القضايا التي شكلت في يوم ما ضمير الأمة، بل كلما تعمقت في قراءة تاريخ المنطقة العربية السياسي، تجد أنه مفعم بالخيانات التي تفوح من بين دفتي كتب المؤرخين، وكلما همّ أحد بسبر أغوار هذه الخيانات، قامت الدنيا عليه ولم تقعد، بل وتعرض إلى قمع فكري سافر لا يقل عن قمع الاستعمار نفسه.

لذا، من الجيد أن نتلمس من جديد بعض الأمل يبعث في النفوس التي عانت كثيرا من الإحباط والتهميش، وقد نجح «بو شارب» في التحدث باللغة الوحيدة التي يفهمها الآخر، لنقل قضيته وإسماعها للعالم، وإيصال رسالته إلى كل فرنسي ليحكم بنفسه على التفاصيل الزمنية التي لم يعايشها وقتها، ولكن ستمكنه من إعادة فهم واقع تلك المشاعر المكبوتة للجزائري الذي عانى الأمّرين من فترة الاحتلال.

التفاؤل بفوز فيلم «الخارجون عن القانون» بالسعفة الذهبية في مهرجان «كان»، ليس هدفا بحد ذاته، ولكن الهدف الحقيقي يقف خلف المغزى من طرح الموضوع الذي يدين المذابح التي قام بها الجيش الفرنسي في الجزائر، من خلال قصة أشقاء ثلاثة.

فربما تقوم فرنسا بعد هذا الزمن بتعويض أهالي الضحايا، ولو بالاعتذار، كما فعل الرؤساء الأميركان حين قدموا اعتذارهم للسنغال مرارا وتكرارا، وذلك عن حقبة العبودية التي قام الأميركان من خلالها بخطف مئات الألوف من السنغاليين، ليبدأ معهم تاريخ معاناة الزنوج، فهل تفعلها فرنسا؟

كاتبة إماراتية

m.alemarat@gmail.com