يظل لمؤسسات المجتمع المدني دور مؤثر في الحفاظ على حالة من السيولة والحراك الفكري داخل المجتمعات، في الوقت الذي يعجز فيه بعض المؤسسات الرسمية عن القيام بالدور ذاته، وخاصة في مواجهة التحديات والمواقف الصعبة التي تواجه مجتمعاتها، مما يعظم دورها الفكري والسياسي والتنويري، وهذا من الأسباب الكفيلة بدعم هذه المؤسسات لأدوارها الموازية أو المكملة للمؤسسات الرسمية. وقد تلقيت دعوة كريمة من الأشقاء في الكويت..

من الجمعية الكويتية للمقومات الأساسية لحقوق الإنسان، التي يترأسها د. عادل الدمخي، للمشاركة في الملتقى الإعلامي الذي نظمته الجمعية بالتعاون مع قناة الجزيرة ومكتب اليونسكو، والذي دعت له الجمعية حشدا من المفكرين والإعلاميين والأكاديميين والباحثين، لمناقشة حرية الإعلام في دول الخليج العربي تحت شعار »من أجل إعلام مستقل ومتعدد».

واتفق المشاركون في ما قدموه من أوراق بحثية، على أن الإعلام مرتبط بحرية التعبير وإبداء الرأي، إلى جانب الفن ورقي الذوق، فأصبح اليوم في بحر يصعب أن تنضبط فيه بوصلة »المراكب الإعلامية»، خصوصا بعدما برزت خصخصة الإعلام وانتشرت القنوات الخاصة والصحافة الالكترونية التفاعلية.

فهذا هو عصر »التعددية الإعلامية»، وعلينا أن ندخل هذا العصر بإدارة جيدة للمنظومة الإعلامية، سواء في الإعلام الرسمي أو الخاص، مع فتح القنوات للتواصل مع المشاهد والقارئ لتقييم مضمون الرسالة الإعلامية.

من هنا فإن تطوير صناعة الإعلام والاتصال في الوطن العربي بشكل عام، يتطلب إيجاد علاقة متوازنة بين وسائل الإعلام والسلطة، وتبدأ هذه العلاقة باعتراف السلطات بأن تطوير الصناعة الإعلامية، هو السبيل الوحيد لتحقيق السيادة الإعلامية في عصر الاتصال والثورة المعرفية، فتقييد الإعلام يحرم هذه البلدان من تنمية مواردها الإعلامية وزيادة قوتها الاتصالية.

وفي ما يتعلق بالوضع في دولة الإمارات، فقد وفر المشرع الإماراتي الإطار التشريعي اللازم الذي ينظم ممارسة حرية الإعلام، من جهة تحديد نطاقها والقيود التي ينبغي أن تراعى عند ممارستها، حيث ينص على »حرية الرأي والتعبير عنه بالقول والكتابة، وسائر وسائل التعبير مكفولة في حدود القانون».

وعلى الرغم من أن الديمقراطيات الغربية تطرح نفسها باعتبارها نموذجا يجب الاحتذاء به في ممارسة الحريات، بما تشمله من حرية وسائل الإعلام، إلا أن ذلك لم يتحقق على أرض الواقع كما في التنظير الفلسفي..

والشاهد ما ذكره محمد الميداني الأستاذ في جامعة ستراسبورغ في فرنسا، من أن بعض الموضوعات والأحداث التاريخية تحظى بحماية خاصة هناك، ويتم التعاطف مع بعض الأشخاص واحترامهم وتقديسهم، ويحظى وقتها فرض القيود على حرية التعبير بالقبول إذا تعلق الأمر بهؤلاء الأشخاص، أو تفهم الحد من تطبيقات هذه الحرية إذا تعلق الأمر ببعض الأحداث التاريخية..

والأمثلة على ذلك كثيرة، مثل موضوع المحرقة أو »الهولوكوست«، فقد صدرت مؤخرا أحكام بالسجن في حق من شكك في وجودها، في الوقت الذي لا تحظى فيه موضوعات أخرى بنفس الاحترام والتقديس، بحجة إطلاق حرية التعبير، والتي لا يجوز تقييدها أو الحد منها حتى لو تعلق الأمر بازدراء الأديان والإساءة إلى الرسل!

إن حرية الإعلام بمختلف أشكالها وأساليبها وطرائقها ووسائلها، هي حرية أساسية وهامة وضرورية ومطمح يتطلع إليه أي مجتمع، إلا أننا لكي لا تفوتنا الموضوعية ورؤية الصورة من جميع جوانبها، وحتى لا نقع في إطار النظرة أحادية الجانب.

ودون الدخول في سوق التشدد وهو سوق بضاعته رائجة، لا بد من بحث العوامل التي تدفع الأنظمة إلى طرح المشروعات المقيدة للحريات، والتي قد يكون الأداء الإعلامي نفسه مسؤولا عن توفير المبررات والذرائع لفرضها.. ولا يخفى ذلك على المتابع.

ففي ظل تعدد الفضائيات والقنوات الخاصة حدثت حالة من الانفلات الإعلامي، وأصبح اللعب على وتر الإعلام الشعبوي هو الغالب، رغبة في كسب قطاع أكبر من الجمهور حتى ولو كان ذلك على حساب الضوابط المهنية، والتي أصبح من ينادي بها يتهم بالالتفاف على حرية الإعلام..

ولكن الأمر غير ذلك وأخطر من ذلك، فتوجيه الإعلام أمر لا بد منه بين الحين والآخر، وخاصة عند التجارب الجديدة، فليس هناك إعلام بدون توجيه حتى في أعتى الديمقراطيات. ولا أعني بذلك الإعلام الموجه، فالفرق بينهما كبير وقد تجاوزه الزمن الأخير وتخطاه العصر ولا يناسبه المشهد المعاصر.

أما توجيه الإعلام فيعني حالة من المراجعة والنقد الذاتي للرسالة المقدمة، لأن تجاوز أزمة الإعلام ومعضلاته، تستدعي المكاشفة والمصارحة وإن كانت مؤلمة، وتتطلب أن تساهم فيها المؤسسات الإعلامية والتعليمية والأسر وجمعيات المجتمع المدني وهيئاته، لأن الإعلام هو نتاج البيئة.

عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا

Dralkhaja@gmail.com