شعور مختلط انتابني وأنا أستعمل ـ على سبيل التجربة ـ أول اسم نطاق باللغة العربية يتم تطبيقه، وهو (وزارة ـ الاتصالات. مصر)، ومع قناعتي بأن هذه الخطوة متأخرة بعض الشيء في توقيت إنجازها، وصغيرة بعض الشيء إذا ما قيست بحجم التحديات الرقمية الماثلة، إلا أنني لا أملك إلا توجيه التحية إلى كل الذين عملوا على أن يكون للحرف العربي مكان في عالم النطاقات.
ففي نهاية المطاف؛ أن تصل متأخراً خير من أن لا تصل، وأن ينجز العرب خطوة صغيرة في الاتجاه الصحيح، خير من أن يفعلوا الكثير من دون بوصلة.
لقد أثمرت جهود كل من دولة الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية، تحت مظلة جامعة الدول العربية، في نيل اعتراف هيئة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة (الأيكان) بلغة الضاد، لتصبح بذلك أول لغة غير لاتينية في العالم تُستخدم في كتابة عناوين مواقع الإنترنت في الخانة المخصصة لما يعرف ب»الدومين».
وبهذا تكون النطاقات الثلاثة: (.السعودية) و(.إمارات) و(.مصر) أول نطاقات عربية ضمن نظام سجلات المواقع عالية المستوى، لرمز الدول (ccTLD) تُطبق فعلياً. ولدي علم بأن جهوداً حثيثة تُبذل الآن للانتهاء من قائمة أسماء المواقع العامة عالية المستوى (gTLD) باللغة العربية، بحيث يتم استخدام «.شركة» بدلاً من «.com» وهكذا.
وعندما أقول إن إحساساً مختلطاً خالجني وأنا أسارع لأكون من أوائل مجربي النطاق العربي، فذلك لأني تخيلت حال 90% من الناطقين بالعربية الذين لا يتحدثون بلغة أخرى، وقد تمكنوا من التجوال بحرية في عالم الشبكة المعلوماتية.
فمنذ دخول الإنترنت بقوة إلى حياتنا في النصف الأول من التسعينيات وحتى الآن، ظل الوصول إلى المعلومة فيها مشروطاً بتجاوز هذا الحاجز الصغير؛ الدومين اللاتيني. وبالتالي فإن المقدرة على النهل من المعارف المتاحة على الإنترنت، ظل محدودا للغاية بالنسبة للغالبية العظمى من المتحدثين بالعربية.
ولكن، هل تمثل إزالة هذا «المطب» حلا سحرياً للمشكلة؟ إن محاولة التصدي للإجابة على هذا السؤال تجعلنا نفتح ملفاً شائكاً وعويصاً، يتعلق بالمحتوى العربي المتاح على شبكة المعلومات.
إذ بمثل ما تصدت مؤسسات عربية مسؤولة لحل ثغرة النطاق الأجنبي، كان (ومازال) على المؤسسات المعنية في العالم العربي أن تتصدى لمشكلة المحتوى، الذي سيغرف منه أولئك التسعون في المئة من أهل الضاد.
فإن نظرة متفحصة إلى واقع المحتوى العربي على الشبكة، تبين مدى الضعف والترهّل وقلة المضمون وسطحيته، ناهيك عن الكمّ الهائل من الأخطاء اللغوية والنحوية التي تتكرر على نحو يهدد بأن يجعل من تلك الأخطاء هي السائد الذي يُقاس عليه، لا الاستثناء الذي تمكن معالجته.
لقد أدى غياب الفعل المؤسساتي في هذا السياق، إلى ترك لغة القرآن نهباً للأهواء والاستخدامات الفردية من قبل أشخاص تقطعت بهم سبل المعرفة، فحوّلوا منتدياتهم الإلكترونية ومواقعهم وقنوات تواصلهم عبر مواقع التفاعل الاجتماعي، إلى جدران افتراضية للخربشة بلغة عربية مكسّرة، وهم بالمناسبة غير ملومين في ذلك، فاللوم يقع على من يعنيهم أمر إقامة بنية تحتية معرفية باللغة التي اختصها الله بأن جعلها لغة القرآن الكريم.
في هذا السياق يجدر بنا أن نأخذ علماً بما فعلته شعوب وأمم أخرى تبدو أكثر حرصاً على لغاتها الوطنية، منذ تسعينيات القرن المنصرم عندما اتضح أن «الإنترنت» هي الحاضنة المستقبلية للمعرفة البشرية.
فعلى امتداد العالم، من الصين وحتى فرنسا وإنجلترا وألمانيا وغيرها من البلدان، دُشنت مشاريع عملاقة تدعمها حكومات وجامعات ومؤسسات أهلية، لِرقمنة المعارف والنصوص العلمية والتقنية والثقافية المتنوعة، والدراسات والمحاضرات والقواميس والموسوعات والخرائط الحيّة التي تبثها الأقمار الصناعية.
وبذلك أقامت كل أمة «متناً» لغوياً ومعرفياً افتراضياً وشاملاً، يضمن لها عدم الانقطاع عن هويتها الحضارية، وفي الوقت نفسه يوفر لها معيناً علمياً ومعرفياً تنهل منه الأجيال بلغتها الوطنية على مر الزمن.
لم يتأخر العرب والمسلمون عن غيرهم من شعوب العالم في «اقتناء» الإنترنت، ولم يكن الفارق بين وصول شبكة المعلومات إلى أي عاصمة عربية وأخرى أوروبية إلا فارقاً ضئيلاً، لكننا تعاملنا معها بالمنطق الاستهلاكي ذاته، وظل تعاطي المؤسسات الأكاديمية وغير الأكاديمية مع هذا المستجد، مقتصراً على التنظير حيناً والجهود المنفردة والمنعزلة حيناً آخر.
فيما أدركت المؤسسات المثيلة في بلدان أخرى حجم التحدي، واشتغلت على هذا الأساس، فشيدت مكانزها المعرفية الضخمة التي تتجلى اليوم على شكل بوابات إلكترونية معرفية هائلة الإمكانيات، ومكتبات رقمية لا حدود لاتساعها، ومراكز أبحاث في شتى المجالات... إلخ.
عندما ننظر إلى هذه الخلفية التاريخية لبناء المكانز المعرفية لشعوب العالم الحية، تزول الحيرة بشأن ما نشاهده اليوم من محتوى عربي إلكتروني يسوده الخواء! ومع ذلك فإنني، بكل صدق، أشعر بالفرحة الغامرة لولادة النطاق العربي، وأرى فيه فألاً حسناً لما يمكن أن يأتي لاحقاً.
مدير عام الهيئة العامة للمعلومات
Salem.alshair@gmail.com