تصادر وتتلف الجهات المختصة آلافاً من أطنان البضائع المغشوشة سنوياً، والغريب في الأمر أنه وعلى الرغم من الحرب الضروس التي تشنها جهات الرقابة على الأسواق وعلى استيراد البضائع «المضروبة» والواقعة في لائحة البضائع الممنوعة، فإن الأسواق لا تزال تستقبل المزيد منها.
ولا تزال هذه البضائع «المضروبة» تباع، تزيد في الأسواق ولا تنقص، وحينما تتأمل واقعها تشعر وكأنك في سوق ليس عليه رقابة! فكيف يحدث هذا؟ كيف تتم مصادرة الأطنان من البضائع المغشوشة وإعدامها وتبقى الأسواق مليئة بها؟!
هذا لا يعني إلا أمراً واحداً؛ وهو أن هناك باباً مفتوحاً يفضي على أسواقنا، تدخل منه هذه البضائع، وهذا يعني أيضاً أن هناك فئة لا بأس بها من الباعة يجدون ربحاً مغرياً فيها، ووجود هذه الثغرات لا يؤدي بدوره إلا لحقيقة واحدة، وهي أن إحكام الرقابة لم يتسن له تحقيق التكاملية في الأداء بين جميع الأطراف المعنية بالشأن ذاته، أي أنه كلما نغلق باباً ينفتح باب من مكان آخر!
وهذا يتطلب إعادة نظر في الإجراءات، إذ لا ينفع أن تتحول فرق التفتيش - على قلتها وصغر عددها من الأفراد - إلى فرق «سوبرمانات»، وأفرادها ذوو طاقات خارقة وخرافية! أي أنه لا يمكن تحميلهم أعباء انفلات الرقابة في جهات مختلفة.
ومن جديد نقولها، هناك أمور كثيرة «فالتة» في السوق، وهناك تجار جملة ومفرق تخصصوا في بيع البضائع المغشوشة، وتجارتهم قائمة على اختراق الموانع والحواجز والتحايل.. وتسأل: لماذا نحتاج مثل هذه النوعية من التجار؟ لماذا تربي أسواقنا من أمثال هؤلاء؟
على فكرة، كثير من الحوادث وقعت بسبب بضائع مغشوشة ومقلدة ومضروبة، ومنها حرائق وحوادث خطرة وحالات تسمم.. تعدم الجهات المختصة الأطنان منها، من التي يتم وضع اليد عليها، لكن شلالها لا يتوقف عن التدفق عبر الحدود والموانئ وشركات الاستيراد والتجار المتلاعبين.
المسألة تحتاج إلى اجتثاث جذور الظاهرة، والنظر إلى العملية من قمتها إلى قاعدتها، ومراجعة إجراءات الرقابة، قبل إجراءات التفتيش.. والمسألة أيضاً تحتاج إلى إعادة النظر في أعداد المراقبين، فهم لا يستطيعون استيعاب سوق كبر أضعاف أضعاف حجمه خلال سنوات قليلة. ثم ماذا يعني سوق خال من البضائع المقلدة؟
وسوق تنتشر فيه البضائع المقلدة؟ هذا يعني الكثير في لغة أهل الاقتصاد والمال، خصوصاً في ما يتعلق بسمعة السوق وصيته في المحيط العالمي، ولهذا لا نريد لأسواقنا - التي هي أسواق دولة راقية ومتقدمة تتعامل مع محددات جودة عالية، ولديها طموحات كبيرة في سياقات هذه الأطر - أن تتحول إلى صورة الأسواق الشبيهة في دول فقيرة تعمها الفوضى والمافيات..
هنا لا نقبل، ولا هذا يرضي.. ولا يجب أن نحاكم المتلاعبين، قبل أن نحكم قبضتنا على سمعة أسواقنا؛ لحفظ سمعتها، وجعلها من الأسواق التي تعتمد معايير حماية المستهلك بالدرجة الأولى. أعرف أن الكل يستوعب هذا وأكثر مني.. لكن مصيبتنا في الفارق بين حديث التنظير وحال الواقع!
