تناولت في مقالات سابقة، أسبابا متعددة للتشاؤم أو التفاؤل بمستقبل القومية العربية. ولكني أعود فألاحظ شيئا آخر من شأنه أن يضاعف الخوف ويزيد التشاؤم، وهو أثر التيار المتسارع للعولمة، ليس فقط على الشعور بالولاء للقومية العربية، بل وعلى الهوية العربية نفسها.

إن التجارب الثلاث السابقة لحركة القومية العربية، (حركة محمد علي وابنه إبراهيم، وحركة الشريف حسين بن علي، وحركة جمال عبد الناصر)، تبدو لنا الآن مختلفة في ما بينها في الدوافع الأساسية المحركة لها، ومن ثم يثور التساؤل عما إذا كان الدافع المحرك لحركتنا القومية في المستقبل، يمكن بدوره أن يكون من نوع جديد.

في تجربة النصف الأول من القرن التاسع عشر كان الدافع لتكوين دولة عربية، هو تحقيق الاستقلال السياسي عن الإمبراطورية العثمانية، استجابة لطموحات فرد واحد أو أسرة واحدة هي أسرة محمد على.

وفي تجربة الحرب العالمية الأولى، وإن كان من دوافع الحركة القومية دافع الاستقلال السياسي أيضا، عن الإمبراطورية العثمانية، (فضلا بالطبع عن المصالح العسكرية والسياسية لبعض الدول العظمى)، فقد كان من بين أقوى الدوافع الأمل في استعادة المجد العربي القديم.

في تجربة منتصف القرن العشرين، اقترن دافع الاستقلال السياسي عن الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، بدافع تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني، ودافع تحقيق استقلال اقتصادي وتنمية اقتصادية سريعة عن طريق إقامة تكتل عربي.

ما هو الدافع الذي يمكن أن يثير همة العرب الآن للقيام بحركة قومية جديدة، ويثير حماسهم لتحقيق الوحدة العربية؟

إن البلاد العربية التي كانت محتلة في منتصف القرن الماضي، قد تحررت كلها سياسيا، ولو اسميا فقط، فيما عدا فلسطين. ولكن أضيفت العراق إلى فلسطين في محنة مشابهة من الخضوع للاحتلال والقتل والتشريد.

لم تعد قضية الاستقلال الاقتصادي تحتل المكانة التي كانت تحتلها في منتصف القرن الماضي، لا لأن البلاد العربية قد استردت سيادتها على مواردها، ولكن لأن السيادة الوطنية على الموارد الاقتصادية لم تعد تلهب حماس الناس في عصر الشركات الدولية العملاقة والعولمة الاقتصادية، مثلما كانت تلهبها منذ نصف قرن.

ولكن إلى جانب قضية فلسطين، وقضية العراق، أخذت قضية جديدة في الظهور والنمو خلال نصف القرن الماضي، لم تكن، فيما أظن، لتخطر ببال قادة أي من الحركات العربية الثلاث السابقة، وهي ما يتعرض له العرب من تهديد متزايد لوجودهم كأمة.

إني أزعم أن الخطر الأساسي الذي يهدد العرب اليوم، أكثر من الاحتلال العسكري، وأكثر من السيطرة السياسية، وأكثر من الاستغلال الاقتصادي، هو ما يتعرضون له من تهديد لاستمرارهم كأمة، أي التهديد لما يجمعهم من لغة وثقافة وعادات وقيم مشتركة، أي لكل ما يكوّن هوية الأمة ويميزها عن غيرها من الأمم.

إن عوامل تخريب الهوية العربية التي نشطت خلال العقود الخمسة السابقة، كان بعضها نتيجة لتسارع تيار العولمة التي خضعت لها سائر الأمم بدرجات مختلفة، ولكن بعض هذه العوامل كان نتيجة أعمال متعمدة لتفكيك أوصال الأمة، والانفراد بكل جزء منها على حدة، وإضعاف لغتها واستبدالها بغيرها، وتحقير ثقافتها، وتزوير تاريخها، وإفساد نظام التعليم فيها.

إن هذا التخريب المتعمد يخدم مصالح اقتصادية خارجية، ترى في تمسك العرب بثقافتهم وولائهم لها عائقا في وجه توسيع الأسواق أمام السلع ورؤوس الأموال الأجنبية. ولكن هذا التخريب يخدم بلا شك مصالح الصهيونية في ترسيخ وجودها في فلسطين، كما يسهل بشدة مهمة المحتلين الغربيين في إخضاع العراق واستغلاله.

إذا كان هذا التصوير صحيحا، لطبيعة التحدي الذي يواجه الحركة القومية العربية اليوم، فإنه يبدو لي أخطر وأصعب مما كان يواجه أيا من الحركات القومية الثلاث السابقة.

كان محمد علي وابنه إبراهيم يواجهان جيشا تركياً ضعيفا، ودولة عثمانية اجتمعت فيها العلل، فاستطاعا أن ينشئا بالفعل إمبراطورية عربية صغيرة، لولا اتحاد الدول الأوربية ضدها لترسخت جذورها واتسعت.

وواجه الشريف حسين أيضا دولة عثمانية ضعيفة، وتلقى مساعدات عسكرية من بريطانيا، ولكنه كان يواجه مؤامرة مبيّتة من أقوى دولتين في العالم، منعتاه من أن يرسي أول حجر لتأسيس دولته العربية.

وعندما حمل جمال عبد الناصر لواء القومية العربية بعد ذلك بأربعين عاما، كان العالم قد أصبح أكثر قسوة، وكان عليه أن يواجه، فضلا عن المصالح المحلية المعادية، دولة صهيونية جديدة تدعمها أقوى دولة في العالم، ولها أطماع في ثروة العرب من البترول، مما لم يكن له شأن يذكر، لا في أيام الشريف حسين ولا في أيام محمد علي وإبراهيم.

اليوم يواجه العرب، ليس فقط دولة صهيونية أقوى بكثير مما كانت في منتصف القرن الماضي، مما جعلها تطمع في أكثر بكثير مما كانت تطمع فيه حينئذ، ولكنهم أيضا يواجهون تيارا من العولمة يفت في عضدهم، ويضاعف من شكوكهم في أنفسهم، ويعمل على طمس هويتهم كأمة.

هل نفهم من هذا أن الحركة القومية العربية، بعد أن كانت تتصدى في الماضي للاحتلال العسكري أو السيطرة السياسية والاقتصادية، أصبح مستقبلها اليوم يتوقف على مدى نجاحها في التصدي لقضية الوجود نفسه؟

أعتقد أن هذا التصوير لمستقبل القومية العربية، إذا كان صحيحا، وأعتقد أنه صحيح، يتطلب منا جهدا لم نعهد القيام بمثله من قبل، وزعماء من نوع لم نحظ به من قبل، ونشاطاً في مجالات لم نكن نعيرها أهمية كبيرة من قبل.

وهو يفرض علينا، في رأيي، أن نعيد النظر في بعض المسلمات التي اعتدنا اعتبارها من البديهيات، ولكنها لم تعد تلائم العالم الجديد الذي سيتحدد فيه مستقبل القومية العربية، ولا تلائم التحدّى الجديد الذي تواجهه.

كاتب ومفكر مصري

sgsaafan@aucegypt.edu