بعد خبر شراء المخزن التجاري الشهير في لندن «هارودز» من قبل شركة «قطر القابضة»، إحدى أذرع «هيئة الاستثمار القطريّة» وهي الصندوق السيادي لدولة قطر. يمكننا أن نطرح السؤال حول الفارق بين الأموال الخاصة، والأموال العامة التي تمثلها الصناديق السيادية للدول.
من حيث المبدأ، «الصندوق السياديّ» هو صندوق استثمار حكومي، يستخدم فائض الصادرات والميزان الجاري بالعملات الصعبة في استثمارات مفيدة على المدى الطويل. إنّه إذن ملكٌ لجميع مواطني البلد المعنيّ.
إلاّ أنّ ما يدفع إلى الالتباس، يمكن أن يأتي من أنّ القائمين على إدارة هكذا صندوق هم نفسهم القائمين على السلطة، وأنّه في كثير من الأحيان هناك قبولٌ بأنّ يتبوّأ إمرؤٌ ما وظيفةً حكومية ويكون قائماً على شركة خاصّة، تعمل مع نفس الإدارة الحكوميّة.
صحيحٌ أنّ أوضاع هكذا تشابكات بين المال الخاص والعام قد تحسّنت كثيراً في دول الخليج العربيّ عمّا كانت عليه في منتصف القرن الماضي، وأنّ هناك صناديق سياديّة خاضعة للمساءلة، مثل استجواب البرلمان للهيئة العامّة الكويتيّة للاستثمار. إلاّ أنّ مزيداً من الشفافيّة والمساءلة مازالا مطلوبين.
لا أقصد هنا الشفافيّة كما طالبت بها وسائل الإعلام والحكومات الغربيّة، حين شنّت حملةً على الصناديق السياديّة العربيّة وغيرها، خوفاً من سيطرتها على بعض الصناعات الاستراتيجيّة في بلادها.
وكان الأمر قد وصل ببعضها إلى المطالبة أن تكون هذه الصناديق شفافّة تجاه النظام المالي العالمي؛ كي تظهر هذه المطالبات سخيفةً اليوم أمام انعدام الشفافيّة التي يمتاز بها هذا النظام المالي، والمعضلات التي يخلقها للاقتصادات العالميّة مع مشتقّاته الماليّة المعقّدة، وصناديق المضاربة المالية Hedge Funds أو عبر تلاعبه بديون الدول.
هذه الشفافيّة المزعومة قد وجدت لها حلاًّ وسطاً عبر «قواعد سانتياغو» الأربع والعشرين التي وضعتها «مجموعة العمل الدولية حول الصناديق السياديّة»، وعبر التوجّهات التي وضعتها «لجنة حريّة الاستثمار والأمن القومي والصناعات الاستراتيجيّة» التابعة لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD.
قليلٌ من الإفصاح حول استراتيجيّات الصناديق السياديّة وطرق إدارتها، مقابل اعتراف بحق الدول (الغربية خصوصاً) في حماية صناعاتها وأمنها القوميّ، والاحتفاظ صوريّاً بمبدأ حريّة تنقّل الرساميل، العزيز على حقبة الرأسمالية المالية.
حتّى أن الصناديق السياديّة وجدت مؤشّراً وترتيباً لشفافيّتها، وأنّ دولاً غربيّة، مثل فرنسا، شرعت في إنشاء الصناديق السياديّة التي تخصّها.
مهما كانت نجاعة هذه الإجابة لمسألة شفافيّة الصناديق السياديّة على مستوى التبادل العالمي، فإنّ الأنظار - في الغرب - تحوّلت اليوم إلى انعدام النظام المالي وإلى الأزمة التي ما زالت فصولها تتابع.
إلاّ أنّ هناك ناحية مهمّة لهذه الشفافيّة قلّما يتمّ التطرّق لها، وهي قضيّة شفافيّة الصناديق السياديّة أمام مواطني البلد المعني: أي المساءلة المواطنيّة عن هذا المال العام. وهنا بيت القصيد.
فصحيحٌ أنّ الصحافة الخليجيّة قد تساءلت، عقب الأزمة المالية العالمية، عن مدى الخسائر التي تكبّدتها الصناديق السياديّة، في ظلّ أنباءٍ تواردت عن نسبةٍ تتعدّى الثلاثين في المئة من مجمل الأصول؛ إلاّ أنّ هذه المساءلة قلّما وجدت لها جواباً واضحاً.
مع هذا، تفتّحت الأذهان عن أهميّة الأمر وضرورة مساءلة مواطني البلدان عن أهداف استثمارات هذه الصناديق. فلا أحد من مواطني دبي يستطيع أن ينتقد شرعيّة صندوق بلاده السياديّ في رغبته توسيع دور دبي عالميّاً كمركز للتجارة وللوجستيّة النقل البحريّ؛ الأمر الذي رفضته الولايات المتّحدة في حينها.
ولا أحد في العربيّة السعودية يمكن أن ينتقد شرعيّة صندوق بلاده السياديّ في دعم توسّع صناعات بلاده البتروكيميائيّة حول العالم؛ الأمر الذي تحاول الشركات النفطيّة الكبرى أن تحجمه.
وحتماً بدأنا نرى هذه الصناديق السياديّة تستثمر في السياحة العالميّة والعقارات في الغرب، وفي المناجم والزراعة في إفريقيا. إلاّ أنّ السؤال يبقى عن ماهية «السياسات الصناعيّة» وراء هذه الاستثمارات؟ أي عن الرؤيا الخلفيّة التي ستتمكّن بالنهوض باقتصادات البلد المعني، والعالم العربي برمّته، بعد النفط، على غرار الصين وتايوان وغيرها؟
الشفافيّة أمام المواطنين أهمّ إذن من تلك أمام ما يُدعى بالنظام المالي العالمي. والسؤال سيبقى للتاريخ عمّا تفعله جميع الدول من أجل تنمية بلادها وعيش مواطنيها والأجيال القادمة.
رئيس منتدى الاقتصاديين العرب
aita@mafhoum.com