مما يروى عن الأحنف بن قيس التميمي أنه إذا غضب غضب معه عشرة آلاف من قومه دون أن يسألوه عن سبب غضبه، وإن رضي رضي معه عشرة آلاف من قومه دون أن يسألوه عن سبب رضاه. وإنه ساد قومه بفضل حلمه وعدم غضبه.

ومن النوادر التي تحكى عن حلمه، إنه وبينما كان في أحد الأيام جالسا في مجلسه ومحاطا برجالات قومه يتحدث إليهم، دخل عليه مجموعة من أبنائه وهم يقودون شابا مكبل اليدين مصفر الوجه.

وقالوا له: إن ابن عمنا هذا قد قتل أخانا فماذا تأمرنا؟. فلم يرد الأحنف بن قيس وأكمل حديثه مع القوم حتى انتهى وغادروا. عندها طلب أن يأتوا بقاتل ابنه. وطلب منهم حل وثاقه.

ووبخه قائلا: لقد قتلت أخاك وابن عمك، وأضعفت عضدك وكسرت ظهرك وقللت من عدد قومك. فعد إلى أهلك. فخرج القاتل جريا غير مصدق بأنه نفد من عقوبة الموت. بعدها توجه الأحنف إلى أبنائه وطلب منهم أن يأخذوا مئة من الإبل ويهبوها فدية إلى أم القتيل.

تذكرت العديد من قصص الحلم عند الأحنف بن قيس سيد تميم العربية، وأنا أقرأ خبر الخلاف الذي حصل قبل فترة قصيرة بين جارتين من جاراتنا حول مسألة تتكرر كثيرا في حياتنا اليومية.

فقد حدث وأن دخلت إحدى قوارب الصيد البحرينية في المياه الإقليمية لجارتها قطر. وأطلق خفر السواحل القطرية النار على البحارة وأصابوا المواطن البحريني عادل الطويل بطلقة نارية في ظهره. وهو الآن يرقد في أحد مستشفيات قطر بانتظار التحقيق معه في الحادثة.

وحسب ما تناقلته وكالات الأنباء والصحف ومواقع الانترنت، فإن السلطات القطرية رفضت طلب تقدمت به سلطات مملكة البحرين بإعادة المصاب إلى وطنه.

هذه الحادثة ليست الأولى في تاريخ المنطقة، فهناك حوادث مماثلة حدثت وتحدث وقد تتكرر في المستقبل.

لماذا قد تتكرر؟ لأن المواطن الخليجي عندما يطالع يوميا الصحف المحلية ويتابع الأخبار على شاشات التلفاز ويتأكد لديه من خلال التصريحات التي تصدر عن مسؤوليها بأن مجلس التعاون يعتبر تجربة ناجحة وأنه بمثابة البيت الخليجي الذي لا تحده حدود وهمية ولا أسوار شائكة ولا جدران عازلة.

فإنه يتوهم بأن كل شيء جائز له حتى في التنقل بين دول المجلس برا وبحرا وجوا، ويعتقد بأن الهوية تكفيه عن جواز سفره، وربما تصور بأنه من حقه أن يعمل هنا أو هناك دون تفرقة بين مواطني قطر والإمارات والكويت والمملكة العربية السعودية أو عمان.

إن سوء الفهم هذا ربما نتج عن قراءته الدائمة عن صورة الاندماج الحقيقي وشبه الكامل للدول الأوروبية فيما بينها على كافة الأصعدة. وهذا ما كان يجب أن يطبق بيننا قبل أن يطبق بين الأوروبيين الذين لا تجمعهم لغة ولا دين ولا حسب ولا نسب بل أن تاريخهم مليء بالحروب الدامية فيما بينهم.

نحن نشكك في كثير من التفاصيل التي ترد على صفحات الجرائد الورقية والالكترونية. ونعتبره على سبيل التهويل والصيد في الماء العكر من قبل بعض المغرضين. رغم أن الخلاف لا يعدو كونه خلافا بين أختين جارتين في مجلس تعاون خليجي واحد.

إن حدوث وتكرار مثل هذه التوترات بين بلدين خليجيين نتيجة خلافات بسيطة قد يفقد بعض الأمل المتبقي لدى مواطني مجلس التعاون في إمكانية تطويره ليصب في صالح هذه الدول التي تعيش في منطقة تملؤها منذ فترة قصيرة توترات على عدة أصعدة.

إن تصعيد الخلافات بين دول المنطقة على مسألة حدود إقليمية أو على بئر نفط أو حقل غاز، سيدفع ثمنها أهالي المنطقة دون تفرقة ودون استثناء.

إننا نواجه مرحلة شائكة في تاريخ منطقة الخليج العربي، وهناك حرب محتملة قد تقع في أية لحظة ستقضي على الأخضر واليابس وقد تعود بنا إلى سنوات القحط ما قبل النفط.

ولن تنفعنا بعد ذلك الحسرة على عدم التمسك بأواصر الأخوة بين شعوب المنطقة ولن يفيدنا في النهاية الندم على إطلاق النار من قبل مواطن عربي مسلم على ظهر مواطن عربي مسلم آخر أيا كانت بلده، فهي بلده أين كان، جاء يبحث عن لقمة عيشه ويطعم أطفاله.

إن أهالي المنطقة في كافة أنحاء دول مجلس التعاون الخليجي غير راضين عما يحدث بين تارة وأخرى، ويشعرون بالصدمة والخيبة من مثل هذه الخلافات التي تقلقهم وتؤرقهم لأنهم بنوا أحلام أبنائهم على هذا التعاون وليس على استخدام البندقية والمدفع في حل الخلافات.

إن بر وبحر وجو أي بلد خليجي عربي هو بر وبحر وجو كل العرب والخليجيين، وما ينطبق على البحرين وقطر والإمارات ينطبق على عمان والسعودية والكويت. وإن النفط العربي ليس بأغلى من الدم العربي كما قال حكيمنا الشيخ زايد رحمه الله.

لقد تعاون أجدادنا قبل مئات السنين بل آلاف السنين فيما بينهم في البأساء والضراء، فكيف نكون نحن أحفاد هؤلاء الذين فتحوا حدودهم لكل ضيف جاء من حيث جاء دون أن يسألوه عن مبتغاه قبل أن تنتهي فترة ضيافته؟ هل سيتفاخر أبناؤنا وأحفادنا وتاريخنا بنا بمثل هذه الحادثة؟

فمتى سنتعلم من حلم الأحنف بن قيس الذي ساد قومه قبل ألف وأربعمائة سنة؟

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com