مع التطور ومع قفزات التنمية ومع التمدد العمراني ومع الرخاء الذي عم البلاد بعد النهضة التي حققها الاتحاد، مع كل هذه القفزات، قفزت بنا الأمكنة أيضا، كنا قريبين جدا من الساحل، كنا في عمق المدينة ثم كبرت وتمددت، ثم انتقلنا إلى بيوت أكثر اتساعاً وحداثة.
تركنا منازلنا القديمة في الأحياء القديمة وتكونت لدينا أحياء حديثة، فقدنا مرابع الطفولة والصبا وجيراننا، صارت لنا صداقات وعلاقات جديدة وجيران جدد، وصار اللقاء بالجار القديم في يد الصدفة، تلتقي بوجه تقرأ في ملامحه كثير من ذكرياتك وخصوصياتك، يسخن جسمك وأنت تمد يدك تصافحه وهو يقول لك «تذكرت.. شمسي.. تذكر البيت الشرقي في الحي القديم، تذكر ملعب الكرة، تذكر السكة.
تذكر دكان فلان، تذكر فلانة، تذكر أم فلان، تذكر اللوزة اللي كنا نقطف منها اللوز.. تتذكر الطريق إلى المدرسة، والمدرس الفلاني.. تذكر الخناقة الكبيرة التي حصلت في الحي، تذكر أيام رمضان.. يسخن جسمك، يخفق فلبك تضخ عضلته المزيد من هرمون الادريناليين، ترتجف من البرد.. تعانق ذاك الوجه وكأنك تعانق طفولتك ومذكراتك الخاصة، هذا مني، من أيامي الحلوة».
كثير منا يحدث له هذا هذه الأيام، كثير منا نلتقي بأهل الحي القديم، تأكلنا الحسرة على تلك الأيام، نقول بملء الفم.. الله على ذاك الزمان.. تمر على الحي القديم؟ سؤال يجره حديث الذكريات العابر، عند بوابة مول تجاري، أو محطة بترول، أو أمام واجهة مطعم.. تلتقطهم الأيام والصدف، أولئك الذين عدوت معهم على شاطئ البحر وتشاركت معهم رغيف الأحلام.. كلنا نحن إلى أحيائنا القديمة، ونبدو دائما مرضى بالحنين.
محظوظون أولئك الذين انتقلوا من أحيائهم القديمة إلى الأحياء الجديدة برفقة جيرانهم وأصدقائهم، أو جادت الصدفة عليهم بالالتقاء في حي واحد، وبؤساء أولئك الذي ودعوا أمهات الحي القديم وجداته وآبائه وإخوة الطفولة. اعرف أصدقاء لا زالوا يقاومون الابتعاد، أصدقاء حي واحد تفرقوا وتباعدت منازلهم، لكنهم إلى اليوم يقاومون المسافة والحواجز وانشغالات الحياة بلقاء أسبوعي يجمعهم.
لا زالوا يمارسون الهوايات نفسها، يضحكون الضحكات ذاتها، يتبادلون التعليقات بروح الأحبة وكأن الزمن توقف عندهم عند هذا الحد.. هؤلاء اعتبرهم أبطالاً، لأنهم تجاوزوا أزمة الافتراق وتحايلوا عليها.
هذه الأيام لا توفر الأحياء الجديدة الأنيقة المحاطة بالزرع والطرقات المعبدة والإنارة الهادئة، ذلك الدفء الاجتماعي الذي كان يلف أحياءنا القديمة، ولا يرتبط قاطنوها بتلك الروابط الحميمة في إحياء أيام زمان، بدلت الحياة إيقاع العلاقات وتغير لونها.
فتحت بريدي الالكتروني.. فرحت كثيرا، صديق ضيعته في الطريق وأنا أرحل باتجاه أحلامي، واحد من الزمن الجميل، تشاركنا في اقتسام هواء الحي القديم وحريته.. يذكرني بكلمات بسيطة.. أنا فلان تذكرتني.. بيتنا خلف بيت فلان تذكرتني، زرت بيتكم في سنة كذا تذكرتني.. نعم.. نعم أكيد نعم.
