الاستجابة الإيرانية لوساطة الرئيس البرازيلي دي سيلفا، تقدم نموذجاً آخر من نماذج البراعة السياسية، والقدرة على المناورة، وتجنب الصدام في اللحظة المناسبة.
الإيرانيون الذين لعبوا على عامل الزمن، وعلى التعارضات بين القوى الدولية الكبرى، أدركوا أن الجهد الذي يقوم به الرئيس البرازيلي، يشكل الفرصة قبل الأخيرة، التي تسبق تصعيد العقوبات ضد بلادهم مما سيقطع عليهم الطريق، أمام إمكانية اللعب على خط التعارضات الدولية، ولكسب المزيد من الوقت لتحقيق تقدم حاسم في اتجاه تطوير القدرات النووية الإيرانية.
الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الرئيسين البرازيلي والإيراني، وبحضور رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، الذي تستضيف بلاده عملية تبادل اليورانيوم ضعيف التخصيب بمثله عالي التخصيب، لم يكن كافياً لنزع فتيل الأزمة، وإزالة المخاوف التي تبديها أطراف دولية وإقليمية ومن بينها عربية كثيرة.
فالاتفاق لا يمنع مواصلة إيران تخصيب اليورانيوم على أراضيها وتطوير قدراتها النووية، كما أنه لا يقدم ضمانة أكيدة إزاء كيفية التصرف باليورانيوم عالي التخصيب، الأمر الذي يستدعي المزيد من المفاوضات والمزيد من الاتفاقيات التي تتصل بالشفافية، وحيوية الرقابة الدولية التي يمكن أن تقوم بها وكالة الطاقة الذرية.
القوى الكبرى اختلفت ردود فعلها عند إعلان الاتفاق بين الصين التي رحبت به، واعتبرته خطوة في الاتجاه الصحيح ثم وافقت على العقوبات، وبين الولايات المتحدة التي أبدت مخاوفها وحذرها، من أن يكون الاتفاق مجرد كبسولة لتسكين الأوجاع، وبالتالي أعلنت عزمها على مواصلة العمل على خط العقوبات.
إسرائيل استقبلت الاتفاق بالتشكيك في جدواه وبمكر أهله، وواصلت التحذير من خطر الملف النووي الإيراني، واستمرت في حملة التحريض الدولي عليه، الأمر الذي يبقي النار مشتعلة تحت الرماد، ويبقي أجواء التحريض على الحرب قائمة.
على أن إيران المصممة على المضي قدماً في تطوير برنامجها النووي، حققت جملة من المكاسب إثر توقيع الاتفاق، فهي تستطيع الادعاء بأنها قدمت كل ما يلزم لنزع فتيل التوتر، وتجنب العقوبات الدولية، بدون أن تتنازل عن حقها في استخدام الطاقة الذرية لأسباب مدنية كما تقول.
هذا الخطاب مهم، على الصعيد الداخلي، إذ أنه يفقد قوى المعارضة، منطقها الذي يتهم الرئيس أحمدي نجاد والحكومة بالسعي لتوريط الأزمة الإيرانية في منزلقات خطيرة ومكلفة، وهو أيضاً خطاب يصلح جزئياً للتعبئة الخارجية، إذ ستكسب إيران من ورائه ثقة بعض القوى العربية والإقليمية كما هو الحال بالنسبة لتركيا.
وعلى الصعيد الدولي أيضاً فإن الاتفاق يحاول زرع بذور الخلاف والشك مرة أخرى بين دول خمسة زائد واحد، وربما يوفر للصين دوراً في التأثير على لائحة العقوبات التي تقترحها الولايات المتحدة باتجاه تخفيفها.
وإذا كان الملف النووي الإيراني ينطوي في بعض أبعاده على صراع مصالح وتنافس بين القوى الكبرى، فإن كلاً من الصين وروسيا، أو أي منهما، سيحصل على ورقة مساومة مهمة، مع الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية، خصوصاً وأن قضايا وملفات كثيرة لا تزال عالقة بين هذه الأطراف.
مدى مصداقية النوايا الإيرانية إزاء شعور جيرانها العرب، يحتاج إلى خطاب مكمل، إذ يجدر هنا أن تبادر إيران إلى فتح بوابات الحوار مع الجامعة العربية، ومع دول الجوار العربي، وأن تقدم على إجراءات تؤدي إلى إعادة بناء الثقة. ومن المعلوم أن لإيران دور فاعل في التأثير على الخلافات العربية العربية، وعلى ظاهرة الانقسام الفلسطيني وهي بوسعها أن تفعل الكثير على هذا الصعيد سلباً وإيجاباً.
ثمة فارق جوهري كبير بين سياسة تبحث عن النفوذ والمصالح القومية الخاصة، وأخرى تبحث عن شراكات حقيقية، وسياسات تبحث عن آليات لتعزيز القدرات والمواقف العربية والفلسطينية في مواجهة السياسات العدوانية الإسرائيلية المدعومة من قبل دول الغرب الرأسمالي.
في هذا الإطار يمكن الاستنتاج أن الوضع الجديد الذي أحدثه اتفاق طهران، ويستهدف الالتفاف على العقوبات وتصديع الجهة الدولية التي اشتغلت عليها الولايات المتحدة طويلاً، هذا الوضع من شأنه أن يعجل في توفير الذرائع لإسرائيل كي تبادر إلى إحداث تحول في طريقة التعاطي مع الملف النووي الإيراني.
الولايات المتحدة كانت قد نجحت نسبياً ولبعض الوقت في اتجاه فرض عقوبات فاعلة على إيران بتقدم المفاوضات غير المباشرة التي يريدها المبعوث الأميركي لعملية السلام جورج ميتشل، غير أن الاتفاق أحدث خللاً في هذه المعادلة، بما يمكن الإسرائيليين من اعتراض التكتيك الأميركي الذي يثبت فشله، ما لم تنجح الولايات المتحدة في إقرار لائحة عقوبات قوية ضد إيران.
لقد خلق الاتفاق وتداعياته، مناخات تقترب كثيراً من إمكانية اندلاع حروب تبادر إليها إسرائيل، بدعوى «لا يحك جلدك مثل ظفرك»، وفي هذه الحالة فإن الولايات المتحدة لن تكون بعيدة عن عملية عسكرية تقوم بها إسرائيل ضد الجيران، أو ضد منشآت نووية إيرانية.
إن التهديدات العسكرية الإسرائيلية لسوريا وحزب الله لم تتوقف، ولم تتوقف عملية التحضير والتحريض لشن عدوان على قطاع غزة، إذ نشرت صحيفة «معاريف» العبرية في عددها يوم الثلاثاء الماضي الثامن عشر من الجاري، أن الجيش الإسرائيلي بصدد تفعيل خطة لإعادة احتلال قطاع غزة بالكامل وتعيين حاكم عسكري عليه. لقد استشاط الإسرائيليون غضباً إثر اللقاء الذي أجراه رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل الأسبوع قبل الماضي مع الرئيس الروسي ميدفيدف، والرئيس السوري بشار الأسد، ورئيس الوزراء التركي أردوغان.
فعدا عن أن هذه اللقاءات تشكل اختراقاً سياسياً مهماً للحصار السياسي المفروض على حركة حماس، فإنه مؤشر إلى مبادرات ومساعٍ تقوم بها روسيا أساساً وتركياً، من أجل استيعاب حركة حماس في العملية السياسية، وإضفاء الشرعية على وجودها.
وبالإضافة إلى ذلك فإن إسرائيل التي رفضت تدخل أي طرف دولي عدا الولايات المتحدة، في مجريات التسوية، تدرك أن روسيا تبحث عن توسيع دورها وتأثيرها في العملية السياسية، من خلال استعادة علاقات قديمة وتوظيف علاقات جديدة في الساحة الفلسطينية.
كاتب فلسطيني
