في 17 مايو 1954، أصدرت المحكمة الأميركية العليا قانون براون التاريخي، المتعلق بالتعليم، والقاضي بأن التعليم غير المتساوي والقائم على الفصل بين الأعراق مخالف للدستور، وتلك كانت نقطة حاسمة في تاريخ الصراع لنيل الحرية والمساواة في الولايات المتحدة، حيث بات الحلم - بأن تكون لنا أميركا واحدة تظلنا جميعاً كخيمة كبيرة ؟ حقيقة واقعة وتشريعاً قانونياً نافذاً.

مر زمن طويل على ذلك اليوم، غير أن الحلم لا زال يؤجل، فقانون براون لم يفعل شيئاً، سوى أنه فتح باباً جديداً من أبواب الصراع بين السود والبيض. صحيح أن حركة الحقوق المدنية نجحت في تغيير القانون، وأدمجت المدارس، غير أن التفاوت لم ينته. لقد شهدنا قيام أكاديميات خاصة، ونظام توزيع كوبونات، ولجوء الكثير من الناس إلى الضواحي، والتمويل غير المتكافئ للمدارس، والآن، بعد 56 سنة، لا يزال السود يعانون من الفصل واللامساواة أكثر مما مضى.

ما حدث هو أننا عشنا الفصل والعزل في الماضي، ونعيش الآن في عصر اللامساواة، وهو مجرد تحول من سياسة الفصل الأفقي إلى الفصل العمودي، فقبل قانون براون كان الفصل بين الطلاب أفقياً، إذ كان محرماً علينا أن نجلس بجانب البيض في الصفوف المدرسية، أو في الكافتيريا، أو في دور السينما، أو المستشفيات، وجاء قانون براون وألغى كل هذا.

نحن الآن أحرار، لكننا غير متساوين، فهناك الآن جدار فصل عمودي بيننا وبين البيض، وما كان عازلاً بين الشرق والغرب أصبح عازلاً بين الجنوب والشمال.

هذه اللامساواة تعكس موروثات الماضي، وظلم الحاضر، صحيح أن هناك تقدماً كبيراً تم تحقيقه منذ عام 1954، لكن هناك حالة طوارئ غير معلنة.

ولو ألقينا نظرة على مجالس المدن في الولايات المتحدة، وعلى المجالس التشريعية في الولايات، وعلى الدوائر الحكومية، وحاولنا الوقوف على التقدم الذي حققناه، حتى بالنسبة للبيت الأبيض ذاته، لوجدنا أننا ؟ نحن السود ؟ لا نزال الرقم واحد في وفيات الأطفال، والرقم واحد في معدل العمر المتناقص، والرقم واحد في فقدان البيوت لصالح الرهن العقاري. الفجوة في الثروات اتسعت، مع تقديرات تشير إلى أن أكثر من نصف ثروة السود، فُقدت خلال العامين الماضيين.

نحتل المرتبة الأولى في تعرض كنائسنا للإغلاق، وكذلك المرتبة الأولى في فقدان المواصلات العامة، والمرتبة الأولى في البطالة، والمرتبة الأولى في مخالفات النظام الجنائي، والمرتبة الأولى في الاقتطاعات من ميزانيات المدارس.

في الوقت الذي يكافح الأميركيون الركود الحاد والبطالة، التي وصلت إلى 10%، يكافح الأميركيون من أصل أفريقي الركود أيضاً بالإضافة إلى نسبة بطالة تصل إلى 40 % في أوساط المراهقين.

الموظفون يحصلون على دخل أقل مما كان يحصل عليه آباؤهم، وهناك 40 مليون أميركي يعيشون في حالة من الفقر، و50 مليوناً لا يتمتعون بالأمن الغذائي، وطفل واحد من بين كل خمسة أطفال يولد فقيراً في الولايات المتحدة، لهذا لن يلج الأميركيون الأفارقة باب الحلم الأميركي، ما لم يتوفر لهم تعليم جامعي مناسب، وهم في هذا ليسوا وحدهم، إذ إن الجميع في الطبقة الوسطى ؟ وهي مصدر فخر الولايات المتحدة - يعاني من أزمة حقيقية.

إننا نعيش حالة من الطوارئ لا يبالي بها أحد من المسؤولين، حيث ان أميركا تواجه بطالة شاملة، والمحافظون يستغلون الأزمة لكي يشجبوا العجز وسياسات الإنفاق، متناسين المصارف، التي انفلتت من عقالها، فما عاد لأحد عليها سيطرة، أو السياسات التجارية، التي أدت بالعديد من الأميركيين للبحث عن عمل في الخارج.

هناك أكثر من 300 ألف مدرس حكومي سيتم تسريحهم في العام المقبل، والولايات الآن تلغي نظام الحضانة الممتد ليوم كامل، وتغلق المدارس الصيفية، وترفع من سعة الصفوف الدراسية، وترفع الرسوم الجامعية.

أي جريمة أعظم من أن نضحي بالتعليم لتغطية العجز الذي سببه حمقى وول ستريت؟ لم تنل الفاتورة المقدمة لمجلس الشيوخ، البالغة 23 مليار دولار، والمخصصة لحل مشكلة تسريح المدرسين الحكوميين، صوتاً واحداً في المجلس.

المحافظون يشجبون سياسات الإنفاق، غير أن المسألة ليست كذلك، فهؤلاء المحافظون أنفسهم ستجدهم يتقاطرون للتصويت على مشروع قانون بإرسال 32 مليار دولار لصالح حرب أفغانستان، لكنهم سيعارضون في الوقت نفسه أي إنفاق متعلق بالمدارس، وكأن لسان حالهم يقول: «سننفق المال لأجل بناء المدارس في أفغانستان، حتى لو اضطررنا لإغلاق المدارس في مدينة كنساس».

تجمع السود في الكونغرس تقدم بطلب لدفع 5 .1 مليار دولار لصالح العمل الصيفي الخاص بالمراهقين، فنظراً لنسبة البطالة العالية جداً في أوساط المراهقين، يعتبر العمل الصيفي ضرورة من الضرورات الكبرى، لكن القرار لا يزال مجمداً، وها هو الصيف يقترب.

الدكتور مارتن لوثر كينغ كان يحلم بحركة حقوق مدنية ترتكز على أربعة أسس، وهي إلغاء العبودية، وتجريم سياسات العزل والفصل، وحق الانتخاب، بالإضافة إلى الأساس الأصعب وهو العدالة الاقتصادية، التي تشمل إعطاء فرص متساوية في التعليم والوظائف ورأس المال والمشاركة بالحلم الأميركي.

في كل الأحول السابقة لم يأت التغيير من الأعلى إلى الأسفل، بل ما حدث هو العكس، إذ لم يقرر السيد أنه لا يريد العبيد، بل العبيد أنفسهم أصروا على حقوقهم وإنسانيتهم، وعاونهم في ذلك أصحاب الضمائر الحية.

إذا كانت العدالة الاقتصادية والفرص المتساوية ستتحقق، فليس ذلك لأن الأغنياء سينصفون الفقراء، بل لأن الفقراء سيؤكدون إنسانيتهم، ويطالبون بحقوقهم، وهذا يتطلب منهم الانضباط والاعتماد على النفس والتحرك والتحريك، وقد آن أوان ذلك.

مرشح سابق للرئاسة الأميركية

opinion@albayan.ae