من أبرز سمات بان كي مون أمين عام الأمم المتحدة الوداعة والهدوء والقدرة الفائقة علي ضبط الأعصاب وقلة البوح.. وقد وهبه الخالق عز وجل ملامح وجه حيادية، حتى أن المتفرس فيها لا يكاد يميز في معظم المناسبات ما إن كان هذا الرجل غاضباً متوتراً أم راضياً هنيئاً مهما كانت انفعالاته الداخلية.

تبدو مثل هذه المواصفات قياسية لمن أراد أن يبحر في عالم الدبلوماسية، وهي قطعاً تليق بمن ساقته الأقدار إلى مقام الدبلوماسي الأول في غمرة العلاقات الدولية الراهنة.

ومع ذلك، فقد حدث في نقاش حول دور الأمم المتحدة في نزع السلاح والأمن الدوليين جرى في نيويورك (19 أبريل الماضي) أن تخلى كي مون عن سماته ومواصفاته أو فارقته هي للحظات، حين صرخ غاضباً متسائلاً أمام الحضور.. «هل افتقد المجتمع الدولي الحكمة واتجه إلى التهور حتى ينفق أكثر من تريليون دولار على شراء الأسلحة واقتنائها، بينما ملايين الفقراء في أنحاء العالم لا يجدون الغذاء والكساء أو مياه الشرب أو الدواء التي يحتاجونها يومياً لمجرد البقاء علي قيد الحياة؟!».

في النقاش ذاته وبالحدة ذاتها زجر كي مون الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، داعياً إياها بقوة إلى «ضرورة وقف الإنفاق علي التسلح وتحويل هذه المليارات إلى مشروعات التنمية والإغاثة البشرية ومحاربة التغيرات المناخية السلبية وانعدام الأمن الغذائي..».

والظاهر أن الأمين العام ما كان ليستفز ويحتد على غير طبعه، لولا انه اطلع قبيل حديثه بوقت قليل على أحدث تقارير «الرصد العالمي السنوي المشترك لصندوق النقد والبنك الدوليين»؛ الذي توقع أن يبلغ إجمالي عدد من يعانون الجوع الكافر نحو 920 مليون إنسان بعد خمس سنوات.. وأن ثمة في هذا العالم أكثر من مليار شخص يواجهون صعوبات بالغة في مقاومة الفقر المدقع وتلبية ما يسد رمقهم من الغذاء.

أكثر من ذلك مدعاة لاكتئاب كي مون وسواه من ذوي الحلم والرزانة تجاه ما يدور في عالمنا من مفارقات ومتناقضات، الدراسة التي نشرتها حديثاً صحيفة «ديلي إكسبرس» اللندنية عن أنماط إنفاق البريطانيين أموالهم؛ التي جاء فيها «أن هوس البريطانيين بالحفلات والمهرجانات يحملهم على تخصيص زهاء 112 مليار دولار سنويا لهذه الأغراض.

وهو اتجاه يتعاظم ولا يتناقص بمرور الوقت، حتى أن الإنفاق علي الأنشطة الترفيهية زاد أكثر من مرتين ونصف في غضون عشر سنوات، مبدداً 18% من دخول الأسر. وهذا يعادل 45 دولاراً في الأسبوع عن كل شخص واحد .. ويصل ما يبذله البريطانيون لقاء خدمات الانترنت إلى 5 .4 مليارات دولار..».

نحن هنا إزاء نموذج تفصيلي لمجتمع الرفاه بلا حدود في دولة صناعية متقدمة، راكمت ثروتها ولحم أكتافها في زمن سطوتها الاستعمارية من موارد ومقدرات شعوب وأمم تتضور اليوم جوعاً. ولنا أن نلاحظ تزامن هذه البيانات مع حديث الأزمة الاقتصادية التي مازالت أصداؤها تتردد في الأروقة الدولية، فكيف الحال بالبريطانيين وإضرابهم في عالم الشمال من الإنفاق على مظاهر البذخ والسفه الاستهلاكي في أزمنة الانتعاش؟!.

البريطاني الواحد ينفق في وقت الركود والقلق الاقتصادي وخلال أسبوع واحد، أكثر مما يحتاجه عشرين مدقعاً لمجرد عدم الانتقال للدار الآخرة في هذا الأسبوع (دولاران يومياً للفرد). ويبلغ نصيب المواطن الأميركي الواحد من ميزانية بلاده العسكرية وحدها نحو 170 دولاراً، بما يفوق دخل بعض مواطني افريقيا تحت خط الاستواء لستة أشهر بطولها!.

ولو وزع نصف هذه الميزانية (نحو 550 مليار دولار للعام 2010) على فقراء دول الجنوب والشمال، لكفاهم جميعاً شرور التضور جوعاً لثلاثة أشهر. أما لو تحولت نفقات تجارة السلاح والاستعداد للحروب عالميا بضع سنين إلى حاجات المليار معدم ومحروم في هذا العالم (المتهور غير الحكيم بقول كي مون)، فلربما اختفى الفقر والجوع من قاموس البشرية.

لكن «لو» هنا تفتح أبواب التهكم والسخرية المريرة. فما يعتمل في الحقيقة هو عكس هذا التفكير الرغبوي شبه الحالم على طول الخط، بشكل أقرب إلى مسرح العبث.

ومن ذلك تواكب زيادة النفقات العسكرية لبعض الدول، مع تصاعد شكوى أكثر هذه الدول ذاتها من قلة الأمن وعدم الاطمئنان، مع زيادة معدلات الفقر والجوع في دول أخرى، مع إلحاح دعوة أهل الإنسانية الحقة إلى نزع السلاح وتحويل نفقاته الباهظة لإغاثة الملهوفين بلا جدوى.. كل هذا في وقت واحد وفي عالم واحد يوصف بالقرية الصغيرة!.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com