يستدل من مسودة الإستراتيجية الجديدة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي أعده فريق من خبراء (حكماء) الناتو ترأسه وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت أن الحلف سيضطر إلى تنفيذ المزيد من العمليات العسكرية خارج مجال عمله الحالي.
وشددت أولبرايت على وجوب أن يكون الناتو قادرا على العمل «بعيدا عن حدوده». ومن أجل ذلك يجب أن يشعر أعضاء الحلف أنهم في مأمن، ولا بد من حمايتهم في حال تعرضوا إلى هجوم.
وخص «حكماء» الناتو في الإستراتيجية الجديدة روسيا باهتمامهم، حيث جاء في الوثيقة التي أعدوها «إن الحلف لا يمثل تهديدا لروسيا ولا يرى تهديدا من قبل موسكو» لاسيما وأن السلطات الروسية «تبدي الرغبة في تعميق التعاون مع الناتو».
ودعوا قيادة الحلف إلى إبداء رغبتها في التعاون مع روسيا في إطار مجلس روسيا - الناتو الذي يجب أن يصبح «أداة هامة» لتحقيق التقارب بين الناتو وروسيا وتبديد شكوك الطرفين بشأن نواياهما وسياساتهما»، ولكن يبقى أمر التعاون بين روسيا والناتو في إطار الشعارات الدبلوماسية التي لا تعني شيء محددا، خاصة وأن مسودة الإستراتيجية المستقبلية لم توضح كيف يتم تحقيق التقارب المنشود.
من جهة أخرى طرح مندوب روسيا الدائم لدى الناتو، دميتري روغوزين سؤالا سبق أن طرحه الكثيرون، وهو: لماذا لا يدعو الناتو روسيا لتنضم إلى عضويته؟، ورغم أن هذا يبقى بعيد الاحتمال إلا أن مندوب روسيا يرى في مجرد توجيه دعوة، ولو شكلية، من هذا القبيل خطوة ولو صغيرة لبناء الثقة بين الناتو وروسيا.
قادة الناتو كانوا قد ردوا على هذا السؤال بلسان وزير الدفاع الألماني السابق فولكر روهه الذي سبق أن قال في حديث له في نهاية التسعينات من القرن الماضي «إن السيطرة على روسيا من بروكسل.
حيث المقر الرئيسي للناتو، أمر مستحيل»، هذا الكلام كان في عهد الرئيس الراحل يلتسين قبل وصول بوتين للحكم في الكريملين واستعادة روسيا لقوتها ومكانتها، مما يعني أن الحلف الذي توجهه واشنطن كيفما تشاء لا مكان فيه لدولة قوية مثل روسيا تعادل قوتها العسكرية ثلاثة أضعاف قوة دول الحلف الأوروبيين، فكيف لواشنطن أن توجهها؟
انضمام روسيا للناتو مستحيل لعدة أسباب، أولها تركيز السياسة الروسية حاليا على استقلال روسيا الإستراتيجي والحصول على مكان لائق في الساحة الدولية.
ثانيا، هناك خط أحمر لا يجوز أن تتجاوزه الخلافات بين أعضاء الحلف، وبمعنى أصح، لا يجوز لأعضاء الحلف مخالفة أوامر القيادة التي تهيمن عليها واشنطن، وهذا ما أظهرته الحرب في العراق وأفغانستان.
حيث إن حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين مضطرون رغم أنفهم أن ينفذوا أوامر قيادة الحلف ويرسلون قواتهم إلى العراق وأفغانستان رغم الاعتراضات الشعبية الكبيرة داخل هذه الدول، ورغم سقوط العديد من الحكومات الأوروبية بسبب هذه الاعتراضات، وهذا الأمر لا يمكن أن تقبله روسيا.
ثالثا، ما من شك في أن الصين ستنظر إلى انضمام روسيا إلى الناتو بأنه مؤامرة ضدها، واكتمال لتطويقها من قبل الأمريكان وحلفائهم، فيعود التوتر إلى الحدود الروسية الصينية وتفقد العلاقات الروسية الصينية الإنجازات التي حققتها خلال الأعوام الماضية.
والسؤال الأخير هو، ماذا سيعود على روسيا من عضويتها في حلف الناتو؟ بالقطع لا شيء، وهل يعود على الأوروبيين الآن شيء من هذا الحلف سوى المزيد من القتلى والضحايا من أبناء شعوبهم في البلاد الأخرى؟
الإستراتيجية الجديدة لحلف الناتو التي أعلن عنها مؤخرا تعكس شيئا واضحا ومحددا، وهو أن الحلف الذي تأسس منذ أكثر من ستة عقود مضت لحماية أمن القارة الأوروبية لم يعد له عمل في أوروبا.
وبالتالي فإنه قد فقد مبررات وجوده، ولكن واشنطن التي لا تستطيع أن تبقى بدون حروب، حتى وهي في أشد أزماتها المالية والاقتصادية، لا يمكن لها أن تستغني عن هذا الحلف وتذهب لهذه الحروب بمفردها، وذلك ليس خوفا من الهزيمة، ولكن لأن الهدف الأساسي من هذه الحروب ليس قهر الأعداء الأشرار الإرهابيين.
كما تدعي، بل هو المال وعائدات السلاح والإنفاق العسكري، والتي لا تستطيع الميزانية الأميركية تحملها وحدها الآن، ولابد من شركاء معها لتمتلئ خزائن المجمع الصناعي الحربي الأميركي الذي يتهمه الكثيرون بأنه سبب أزمات الولايات المتحدة المالية والاقتصادية.
رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي