في طهران أنجزت صفقة لتبادل 1200 كيلوغرام من اليورانيوم الإيراني منخفض التخصيب، مقابل 120 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 20%، لاستخدامه في مفاعل الأبحاث الذي تمتلكه طهران.
الصفقة التي أنجزها الرئيس الإيراني والرئيس البرازيلي ورئيس الوزراء التركي، تتعهد إيران فيها بشحن المقدار المشار إليه من اليورانيوم إلى تركيا في غضون شهر واحد، لتحصل بدله على اليورانيوم المخصب خلال عام واحد.
ثلاثة عوامل ساعدت على إنضاج هذه الصفقة: أولها رغبة إيران في تلافي فرض عقوبات جديدة عليها، وثانيها حاجة طهران إلى الوقود لمفاعلها البحثي، وثالثها دخول البرازيل وتركيا كطرفين حياديين ضامنين لتنفيذها، فصفقة كهذه لم تجر في السابق بسبب فقدان الثقة بين الفرقاء؛ الغرب وإيران.
صحيح أن طهران في أمس الحاجة للحصول على قضبان الوقود، لضمان استمرار عمل مفاعلها البحثي الذي ينتج النظائر المشعة للأغراض الطبية، التشخيصية والعلاجية، إلا أن هذه الصفقة ذات الطابع السياسي البحت، أخرجت في وقت مناسب جداً لإيران.
فهي تأتي للتخفيف، بعض الشيء، من الاحتقانات السياسية في إحدى أهم مناطق العالم، الشرق الأوسط، وتقلل من احتمالات تصاعد الخلافات بين إيران والغرب إلى مستويات أعلى من التوتر، خاصة وأن الدول الأعضاء في مجلس الأمن زائداً ألمانيا، على وشك التوصل إلى صيغة لإقرار جولة رابعة من العقوبات على طهران.
تضاربت ردود الفعل حول هذه الصفقة، فقد رحب بها بعض الأوساط الدبوماسية الغربية التي اعتبرت أن شحن هذا المقدار من اليورانيوم، الذي في حالة تخصيبه إلى درجة عالية سيكون كافياً لصنع قنبلة نووية، يهدئ بعض الشيء، من المخاوف حول قرب حصول إيران على السلاح النووي، كما يكشف في الوقت ذاته عن مرونة في موقف إيران، التي دأبت على معارضة التبادل خارج الأراضي الإيرانية.
إلا أن دبلوماسيين آخرين يرون أن هذه الصفقة لم تعد لها نفس الأهمية التي كانت لها قبل عام، وذلك لأن إيران قد ضاعفت ما كان لديها من اليورانيوم منخفض التخصيب في حينه.
ثمة أكثر من بعد سياسي في هذه الصفقة، فقد نجحت طهران في ضم دولتين هامتين، البرازيل وتركيا، إلى دائرة المعنيين ببرنامجها النووي المثير للجدل، ليس كمتفرجين، بل فاعلين أصبحت مواقفهما في هذا الشأن أكثر قرباً إلى موقف طهران منها إلى موقف المنظمات والدول الغربية.
كما أن هذه الصفقة تكشف عن موقف سياسي آخر صنعه الزعماء الثلاثة، وهو رفض لما هو معتاد في السياسة الدولية من انفراد الدول العظمى في صناعة القرارات ووضع حلول للمشاكل العالقة.
من جانب آخر، تجاهل الرؤساء الثلاثة، في هذه الصفقة، الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وجعلوا منها طرفاً ثانوي الأهمية، يجري إعلامه بما تمخضت عنه إراداتهم في بحر أسبوع، متناسين أن غياب الوكالة عن هذا المشهد قد جعل الصفقة تفتقر إلى البعد التقني، فالزعماء الثلاثة لا يمتلكون الجواب عن سؤالين هامين: من سيقوم بتخصيب هذه الكمية من اليورانيوم؟
ومن سيتولى أمر تصنيع قضبان الوقود؟
لم يتم التطرق في هذه الصفقة إلى البرنامج النووي الإيراني، فذلك ما لا تسمح طهران بالخوض فيه، فهي تعتبره شأناً إيرانياً داخلياً، وترى أن المشكلة مع الغرب تكمن في كيفية التصرف بالوقود منخفض التخصيب الذي لديها، معلنة أنها ستستمر في عمليات التخصيب إلى نسبة 20%، فليست هناك علاقة بين هذه الصفقة وبين أنشطة تخصيب اليوارنيوم، هذا ما صرح به علي أكبر صالحي رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية.
كيف ستسوّق طهران هذه الصفقة على المستويين المحلي والدولي؟
على المستوى المحلي؛ قد تفسر هذه الصفقة لغير صالح الرئيس أحمدي نجاد، فقد سبق لإيران أن رفضت الموافقة على صفقة مشابهة اقترحتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية العام المنصرم، إلا أن من غير المحتمل أن يكون نجاد قد اتخذ هذه الخطوة دون موافقة المرشد الأعلى علي خامنئي.
أما على المستوى الدولي؛ فلم يبدر موقف رسمي مباشر حول هذه الصفقة من الدول الغربية ذات العلاقة، كما أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية آثرت الصمت لحين إطلاعها على التفاصيل التي تتعلق بالصفقة، إلا أن من المرجح ـ وفق ردود الفعل الأولية ـ أن لا تعيق هذه الصفقة الدول الغربية عن المضي قدماً في تصعيد الضغوطات على طهران، لوقف برنامجها النووي.
المشكلة بين إيران والغرب، ليست حول خلاف يتعلق بتبادل اليورانيوم أو حول التفاصيل التي تتعلق بهذه العملية، أو على أي أرض يتم التبادل، بل إن جوهر المشكلة يكمن في البرنامج النووي نفسه، وفي عدم الثقة بسلامة النوايا الإيرانية.
وقد ضاعفت طهران المخاوف من برنامجها النووي، حين أعلنت في فبراير المنصرم عن البدء في التخصيب لغاية 20%. وحين يؤكد أكبر مسؤول في الطاقة الذرية الإيرانية، ساعة الإعلان عن الصفقة الأخيرة، على عزم إيران الاستمرار في ذلك، فإنه يبقي المخاوف على حالها، ويجرد هذه الصفقة من أية قيمة تعبوية.
دخلت إيران مع تولي الرئيس أحمدي نجاد رئاسة الدولة عام 2005، في عزلة سياسية دولية تزايدت مع الزمن، بسبب سياسات المواجهة ذات الطبيعة الاستفزازية التي ينتهجها إقليمياً ودولياً.
وقد أضعفت القرارات الدولية التي اتخذها مجلس الأمن الدولي (ثلاث جولات من العقوبات) من قدرات إيران، إلى حد ما، إلا أنها لم تتمكن من إلزامها بالتخلي كلياً عن برنامجها النووي.
وقد انعكست هذه العزلة على الداخل الإيراني، على مستويات متعددة، سياسية واقتصادية، أفرزت معارضة جماهيرية واسعة لسياسة نجاد، خاصة بعد الطعن في نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة.
إيران في أمس الحاجة للخروج من عزلتها أو العمل على تفادي أية إجراءات لتشديد هذه العزلة، إلا أن ما تقدمه في سبيل ذلك ليس بالكثير.. حتى الآن.
كاتب عراقي
