كل يوم يمر على روسيا والعالم الآن، يؤكد صحة رؤية رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين لاستخدام مصادر الطاقة الروسية من النفط والغاز، وذلك رغم الانتقادات المتكررة من كافة الجهات لهذه الرؤية، والتي تنتقد سياسة بوتين في تصدير خام النفط والغاز للخارج وعدم تصنيعه في روسيا.

بينما يرى بوتين أن هذا الرأي الذي يطالب بعدم تصدير الخام وتصنيعه في داخل روسيا الآن بالتحديد، حتى ولو كان بحسن نية، فهو أشبه بجر روسيا لسباق تسلح يستنفد قوتها وثرواتها.

ويرى بوتين أن روسيا ليست في حاجة، الآن بالتحديد، لتصنيع النفط الخام في أراضيها، خاصة وأن لديها في الداخل ما يكفيها للاستهلاك المحلي من مصادر الطاقة.

وأنه من الأفضل لروسيا في ظل ظروف الأزمة المالية العالمية، أن لا تنفق عائداتها من تصدير الخام في مشاريع جديدة داخلية من الممكن تأجيلها لوقت آخر، فهي تحتاج السيولة المالية لاستغلال ظروف الأزمة لتحقيق صفقات كبيرة في شراء مشاريع عملاقة في الخارج، لدى الدول التي تعاني من الأزمة وتطرح مشاريعها الكبيرة للبيع، وهي فرصة لن تتكرر في المستقبل بعد انتهاء الأزمة.

كما يرى بوتين أن توافر السيولة المالية الآن من عائدات بيع النفط الخام والغاز للخارج، سيساعد روسيا أيضا في تحقيق نجاحات كبيرة على مستوى السياسة الدولية، إذ باستطاعتها أن تكسب دولا كثيرة لصفها عن طريق المساعدات المالية والقروض.

وخاصة من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق التي تعاني بشدة من الأزمة المالية ولا تجد في العالم من يساعدها، وهذه فرصة كبيرة لروسيا لتعيد هذه الدول تحت جناحها، عن طريق المساعدات والقروض، وإلا ماذا سيغري هذه الدول للعودة لروسيا، في الوقت الذي يستغل أعداء روسيا كل الفرص للتغلغل في هذه الدول واستخدامها ضد أمن ومصالح روسيا.

كما حدث في جورجيا وأوكرانيا ودول البلطيق ووسط آسيا؟ رؤية بوتين هذه، ثبت نجاحها وفائدتها الكبرى في ما حدث مؤخرا مع الجارة السوفييتية السابقة أوكرانيا، حيث لعبت الأزمة الاقتصادية الطاحنة في أوكرانيا دورا كبيرا في انهيار أركان الثورة البرتقالية المدعومين من الغرب وواشنطن، وهو الآن ما يحدث في جورجيا .

حيث تتجمع المعارضة كلها وجماهير الشعب ضد الرئيس ساكاشفيلي، وتطالبه بالتنحي عن الرئاسة متهمة إياه بإفساد العلاقات مع روسيا.

وكذلك في قرغيزيا حيث حاول الرئيس السابق باكاييف أن يساوم كلا من موسكو وواشنطن في آن واحد، لكنه فشل وأغرق شعبه في أزمة مالية واقتصادية طاحنة، أدت إلى اندلاع الثورة ضده في الشهر الماضي، لتأتي حكومة جديدة مؤقتة تطلب المساعدات من موسكو.

وكذلك باقي الجمهوريات السوفييتية الأخرى، مثل بيلاروسيا وأرمينيا وكازاخستان وأوزبكستان وطاجيكستان ومولدافيا وغيرها، وكلها الآن لا تجد من يساعدها في الأزمة سوى روسيا.

ولا يقتصر الأمر على الدول المجاورة لروسيا، بل يمتد ليشمل دولا عديدة في العالم تلجأ إلى روسيا الآن بالتحديد في ظروف الأزمة العالمية، مثل دول أميركا اللاتينية؛ فنزويلا وبوليفيا وكوبا وبيرو وغيرها.

ولا يقتصر الأمر على جذب الدول لروسيا، بل استطاع رئيس الوزراء بوتين، بفضل السيولة المالية الكبيرة التي حققتها مبيعات النفط الخام والغاز، أن يدعم قطاع الصناعات الحربية الروسية، حتى أصبحت روسيا في الأعوام الثلاثة الماضية منافسا كبيرا للولايات المتحدة الأمريكية على صدارة سوق السلاح العالمي.

ولولا توافر السيولة المالية لدى روسيا في وقت الأزمة، لكان مصير برنامج الفضاء الروسي أشبه بمصير نظيره الأمريكي، الذي أمر الرئيس باراك أوباما في أكتوبر الماضي بإيقافه بسبب الأزمة المالية، وأصبحت روسيا وحدها الآن رائدة الفضاء الخارجي، والمسؤولة عن المحطة الفضائية الدولية وعن الرحلات الدورية إليها.

هذا على الصعيد الخارجي، أما داخل روسيا فلم تتأثر أية برامج تنموية أو خدمات داخلية للشعب الروسي بسبب الأزمة، ولم تتخذ الحكومة أية إجراءات تقشف أو تخفيض في التمويل، بل زادت معاشات المتقاعدين في روسيا منذ بداية الأزمة بأكثر من 30%، في الوقت الذي تشد أكبر الدول الغربية الأحزمة على البطون بسبب نقص السيولة.

ورغم هذا كله ما زال البعض ينتقد بوتين على سياسة تصدير النفط الخام.

خبيرة الطاقة الروسية

jannamarat@km.ru