يبادرون بالتحية في أي وقت وفي أي موقف.. يبتسمون في وجهك.. عندهم استعداد لأن يقتطعوا جزءًا من وقتهم كي يساعدوك في أمر تريده، أو كي يجيبوا على استفسار لك، وإن لم يكن هناك سابق معرفة بينك وبينهم، حتى يظن أحدنا أن اتساع صدورهم لا يعرف حدودا يقف عندها، فنعجب، لأننا ـ في معظم الوقت ـ لا طاقة لنا على التصرف مثلهم، على المبادرة بالتحية.. والابتسام الدائم.. واقتطاع أجزاء بسيطة من أوقاتنا ـ الثمينة جدا ـ من أجل الآخرين، حتى تكاد صدورنا تضيق ضيقا شديدًا بكل من يقبل علينا ونحن نشعر أنه يريد منا تأدية خدمة له، أو الإجابة على استفسار عنده!
الأمر ينطبق على أخلاقياتنا وأخلاقياتهم. في قيادة السيارات مثلا، أيضا، هم يقودون بنظام ـ غالبًا ـ يلتزمون بقوانين المرور، ويفسحون المجال للمشاة كي يعبروا الطريق دون أن يخشوا ضياع تلك الثواني البسيطة من وقتهم «الثمين»، ولا يزاحمون المركبات الأخرى أو يسابقونها كي يتقدموهم أو يصلوا إلى الإشارة أو «الدوار» المقبل قبلهم..
ثم يجدون أنفسهم معهم يقفون في الصف نفسه وينتظرون الإشارة أن تأذن لهم بالمرور، أو ينتظرون أن تفرغ مسارات «الدوار» كي يكملوا طريقهم.. العكس بالضبط ينطبق علينا، أضف إلى ذلك السباب والشتم الذي لا يبارح ألسنة بعضنا! والمشكلة أن بعضنا يتصرف بما يشي بقناعة راسخة لديه بأنه على حق في ما يفعل، وكأن الشوارع ملك شخصي له، وقد تفضل على الآخرين وسمح لهم باستخدامها، لذلك عليهم ألا يتجاوزوا حدودهم معه، وأن يفسحوا له الطريق بمجرد أن يروه مقبلا، وإلا فليصبروا على ما سيأتيهم منه.
لا أريد أن أقول إن الآخر.. الأشقر.. الأحمر.. ذا العيون الخضراء أو الزرقاء، أفضل منا، ولا أقول إننا جميعا سيئون وناقصو الأخلاق ولا خير فينا.. ما أريد أن أقوله هو أننا لو تأملنا جيدًا، وكنا صادقين جدا مع أنفسنا، لوجدنا عددًا كبيرًا منهم يتحلون بأخلاق نحن أولى بها، نستطيع أن نقول إنها أخلاق إسلامية بكل ما تعنيه الكلمة، وفي المقابل.. لو تأملنا في واقعنا وأخذنا شريحة عشوائية من أبنائنا وشبابنا خصوصًا (من الجنسين طبعا)، سنجد معظمهم بعيدين كثيرًا عن الأخلاق الإسلامية التي يتحلى بها غيرنا، ممن لا يشتركون معنا في الثقافة ولا في الدين ولا في عاداتنا وتقاليدنا الاجتماعية الأصيلة.
هم ليسوا ملائكة جميعا، ولا نحن شياطين بالطبع.. وليس القصد من ذكر محاسن الآخرين هو الإعجاب بهم والتنكر للأصل.. ولا هو كذلك رغبة في الإعلاء من قيمتهم والحط من قيمتنا.. بل العكس تماما هو المحرّض لكتابة هذه السطور، لأننا لا يمكن أن نكون حياديين جدا ونحن نرى الآخرين يشبهوننا أكثر منا، يشبهون الصورة النموذجية التي يجب أن نكون عليها، أو بعبارة أدق.. هم التمثيل العملي للتصور النظري الأخلاقي الموجود في ديننا وثقافتنا، في الوقت الذي يفرط فيه كثير من بني جلدتنا في هذه الأخلاق، وكأنها ذكرى سيئة للزمن البائد يريدون أن يتخلصوا من ثقلها على أكتافهم، كي يشعروا أنهم متحضرون ومسايرون للتطور المادي الذي يغلب على هذا العصر!
ربما تجدر بي الإشارة إلى أن كلامي هذا لا يمسّ شعبًا أو مجتمعًا بعينه، إنما يمسّ أفرادًا من هذا المجتمع أو ذاك، لكن أعداد هؤلاء الأفراد غير محددة بقلة أو بكثرة إلا في نطاق المقارنة، ويمكن لأي منا أن يُقارن بين نفر منا يختارهم بشكل عشوائي في يوم من أيام الأسبوع، ونفر من أولئك المختلفين عنا، الذين يشبهون صورتنا النموذجية.. وليقارن كل واحد منا بينه وبين نفسه، وليحتفظ بالنتيجة لنفسه، وسيجد أنهم يحسنون تقديم أنفسهم للآخرين، سواء شئنا ذلك أو أبينا، ويعرفون كيف يفرضون احترامهم على من حولهم، وكيف يكونون قدوة لغيرهم، بالأخلاق ولا شيء غير الأخلاق، بل بمكارم الأخلاق، وكأن منبعها عندهم وقد أصبحوا هم مصدّروها لنا.
يمكننا أن نغمض أعيننا ونمضي في حياتنا كأننا لا نرى شيئًا، وكأن كل ما يتهاوى عندنا أمام ناظرينا ويُبنى أو يُرسخ بنيانه في مكان آخر أمر لا يعنينا.. يمكننا أن ندفن رأسنا في الرمال ونبقى على قيد الحياة بجسدنا، والحياة ستمضي.. ونحن سنمضي معها، دون أن نحدث أثرًا فاعلا فيها، ودون أن نقول على الأقل ما يجب علينا أن نقوله إذا كان بداية التغيير «كلمة».. يمكننا أن نفعل ذلك.. ولكننا لن نكون سوى ظل في هذه الحياة، لأن الكيان الإنساني يكتسب وجوده بمقدار ما يفعل أو يؤثر.. وإذا غاب هذا الشرط، لا بد أن يغيب معه كيانه أيضًا.
جامعة الإمارات