يعتبر العديد من المحللين أن التطورات الإيجابية والتعاون متعدد المناحى الذي تشهده العلاقات الروسية ـ التركية، يمكن أن ينعكس بشكل ايجابي على مسار المفاوضات الأرمينية ـ التركية، والتي تعرضت لمأزق عميق منذ أسابيع، بعد أن تمكن الطرفان من إخراج العلاقات بينهما من مستوى العداء والخصومة، إلى مرحلة تقترب من التفاهم على العديد من القضايا والملفات الخلافية.
لقد فجر موقف الرئيس الأرميني سيرج سارجسيان، الأزمة من جديد بقرار إيقاف المحادثات، بعد توصل الجانبين إلى تفاهم، وتوقيعهما بروتوكولا بشأن إقامة العلاقات الدبلوماسية وفتح الحدود بين البلدين، وعقد مشاورات سياسية دورية بين وزيري الخارجية، إضافة إلى تنظيم حوار خاص بالبعد التاريخي للعلاقات، بهدف خلق أساس من الثقة بين الشعبين التركي والأرميني.
ولا بد من الإشارة إلى أن القيادة الأرمينية لها مصالح في فتح الحدود التركية ـ الأرمينية التي أغلقت بقرار من أنقرة عام 1993، نظرا لما ستحققه من عائدات التجارة ورسوم الترانزيت لمختلف البضائع، إلا أنها مضطرة في نفس الوقت لأن تخوض مفاوضات متوازنة لتحقيق ذلك، مع تسوية أزمة مذبحة الأرمن عام 1915، والتي ما زالت تركيا متهمة بتنفيذها خلال عمليات التهجير القسري للأرمن الذين كانوا يعيشون في ظل الحكم العثمانى.
وكانت الحكومات التركية المتعاقبة قد رفضت الاستجابة لمطلب أرمينيا، والاعتراف بمسؤولية السلطات العثمانية عن تنفيذ هذه المجازر الجماعية.
وشهدت العلاقات بين البلدين أزمتها الثانية التي أسفرت عن قرار أنقرة بإغلاق الحدود عام 1993، بعد أن تفجرت الحرب الأرمينية ـ الأذربيجانية حول مصير إقليم ناغورني قره باخ، واحتلال القوات الأرمينية لبعض المناطق الأذربيجانية. وانحازت تركيا إلى جانب أذربيجان، وطالبت حكومة يريفان بالتوصل إلى تسوية مع باكو، تراعي مصالح وسيادة أذربيجان.
وتدرك حكومة يريفان أنها ستضطر لتقديم تنازلات كبيرة نظير فتح الحدود التركية ـ الأرمينية، وإعادة العلاقات الدبلوماسية، بدءا من التنازل عن حق مقاضاة الجانب التركي في قضايا الإبادة الجماعية، مرورا بالمرونة في التعامل مع ملف إقليم ناغورني قره باخ، وهو ما توصل إليه البروتوكول الموقع أواخر العام الماضي، والذي أطلق عمليا مسيرة التفاوض والتفاهم بين البلدين.
ويعتقد العديد من السياسيين الأرمن أن تشدد حكومة يريفان أدى لتعقيد المفاوضات مع أنقرة، ودفعها إلى ربط التفاوض مع أرمينيا بملف إقليم ناغورني قره باخ لإرضاء حليفها الأذربيجاني، ما وضع ارمينيا في طرف طاولة المفاوضات، فيما يجلس في الطرف الآخر كل من أذربيجان وتركيا.
إلا أن فريقا من السياسيين يراهن على تطور وتعمق العلاقات التركية ـ الروسية، خلال الشهور الأخيرة، والذي لم يقتصر على التعاون في مجال الطاقة، وإنما تعداه ليشمل مجالات متنوعة، ما يمنح روسيا إمكانات عملية للتدخل كوسيط لتسوية أزمة العلاقات التركية ـ الأرمينية. وذلك ليس فقط بسبب علاقاتها مع الجانبين، وإنما لأن تسوية هذه الأزمة تحقق مصالح روسيا في فتح كافة طرق النقل والترانزيت دون عقبات.
من المعروف أن روسيا هي أكبر مستثمر أجنبي في الاقتصاد الأرميني، ويبلغ حجم استثماراتها أكثر من ملياري دولار، تتوجه نحو مجالات الطاقة والبنوك والتعدين والبناء والاتصال.
وقد تم في أرمينيا تسجيل ما يقارب 850 شركة يساهم فيها رأس المال الروسي، وتمتلك الشركات الروسية أغلبية المشروعات الأساسية في قطاع الطاقة في أرمينيا، بشكل كامل أو جزئي.
كما تتواجد على الأراضي الأرمينية في مدينة غيومري الواقعة في ضواحي يريفان، إحدى أهم القواعد الروسية والتي تعتبر إحدى المكونات الرئيسية لأمن أرمينيا، إذ يعتبر تواجد قوات الحدود الروسية في أرمينيا عاملا هاما في ضمان أمن البلدين.
ومع توقيع أكثر من 17 اتفاقية بين موسكو وأنقرة، والاتفاق على رفع حجم التبادل التجاري بينهما إلى 100 مليار دولار، وأن تغطي روسيا 70% من احتياجات تركيا من النفط والغاز، بدأ التحرك الجاد لتسوية الأزمات الإقليمية التي من شأنها إعاقة هذه الخطط، وعلى رأس هذه الملفات العلاقات التركية ـ الأرمينية.
ويمكن القول إن عوامل النجاح في تحقيق ذلك تتوفر لدى روسيا، ليس فقط بسبب علاقاتها مع طرفي النزاع، وإمكانية اجتذابهما إلى مستوى من التعاون يحقق المنفعة لجميع الأطراف، وإنما لأن روسيا قوة إقليمية مؤثرة تسعى لضمان استقرار وأمن المنطقة.
كاتب روسي