خلال الفترة القليلة الماضية، بدت التحركات الإقليمية التركية ذات مغزى ولها دلالات متعددة، فقد شهدت مدينة اسطنبول التركية قمة تركية ـ سورية ـ قطرية، وصفت بأنها كانت قمة تشاورية انتهت إلى إصدار بيان ختامي، جاء فيه أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان وضيفيه الرئيس السوري بشار الأسد وأمير قطر الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني.

فضلا عن تناولهم علاقات البلدان الثلاثة، تناولوا بشكل موسع قضايا وملفات الشرق الأوسط، وفي مقدمتها قضية السلام الفلسطيني الإسرائيلي. ودعا القادة الثلاثة إلى سلام دائم وشامل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأكدوا أهمية إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، تطبيقا للقرارات الدولية المتعلقة بهذه المسألة.

كما دعوا إسرائيل إلى إنهاء فوري لحصارها لقطاع غزة، وطالبوا المجتمع الدولي بعدم السكوت على ما يحدث في القطاع، وأنه يجب تأمين احتياجات سكانه في أسرع وقت.

وكان الملف الثاني من الملفات التي ناقشها القادة الثلاثة، يتعلق بالمفاوضات السورية الإسرائيلية، إذ قال أحمد داود أوغلو وزير الخارجية التركي، إن سوريا رحبت مجددا بعودة المفاوضات غير المباشرة بينها وبين إسرائيل والتي رعت تركيا أربع جولات منها، وبدئها من حيث انتهت برعاية تركية. وباركت سوريا وقطر وأيدتا الجهود التي بذلتها تركيا والتي ستبذلها في المستقبل في هذا الإطار.

وعلى الصعيد النووي أعلن القادة الثلاثة أنهم متفقون على تملك الطاقة النووية للأغراض السلمية، وفي هذا الإطار من حق أي دولة تملّك الطاقة النووية للأغراض السلمية، ويؤيدون حل المشكلة النووية الإيرانية عبر الحوار والدبلوماسية، وتؤيد قطر وسوريا جهود تركيا ومساعيها التي تبذلها في هذا الإطار.

وبعد هذه القمة الثلاثية بأيام، قام أردوغان بزيارة إلى اليونان يرافقه عشرة وزراء وعشرات من رجال الأعمال الأتراك، في زيارة قال الجانبان إنهما يأملان أن تفضي إلى عهد جديد بين الدولتين العضوين في حلف شمال الأطلسي، واللتين ناصبتا بعضهما العداء لفترة طويلة.

والتقى أردوغان بنظيره اليوناني جورج باباندريو، بهدف تخفيف التوتر بين البلدين ومناقشة التخفيضات في مجال الإنفاق الدفاعي التي تمثل خطوة حاسمة لليونان التي تكافح من أجل التغلب على مشكلة الديون.

وذكر أردوغان، الذي يعد أول رئيس وزراء تركي يقوم بزيارة رسمية إلى اليونان منذ عام 2004، في تصريحات لوسائل إعلان يونانية، أن التخفيضات في مجال التسليح من بين الموضوعات التي سيناقشها في اليونان.

وقال «إن كلا البلدين لديه نفقات دفاعية ضخمة، وأنهما سوف يحققان كثيرا من المدخرات بهذا الشكل». لكن اليونانيين يشترطون للوصول إلى خفض محتمل في حجم الأسلحة في البلدين، الذين انخرطا في سباق للتسلح، إقامة «مناخ من الثقة والصدق».

وأكد أردوغان أن تركيا ستتضامن مع اليونان في مواجهة الأزمة المالية الخطيرة، وقال «نعتزم إظهار مساندتنا لليونان، ولهذا أقوم بهذه الزيارة ومعي وزرائي». وأضاف «إن اقتصاداتنا تكمل بعضها البعض، إذا تعاون بلدانا نستطيع أن نعظم المكاسب لكلا الجانبين».

وافتتح أردوغان ونظيره اليوناني أول اجتماع للمجلس الأعلى للتعاون الذي يضم نحو عشرة وزراء من كل من البلدين، والذي سينتهي إلى التوقيع على حوالي عشرين اتفاقا أو بروتوكول اتفاق. وقال إن الإحدى والعشرين اتفاقا وبرتوكولا للتعاون التي وقعت مع اليونان «ستؤرخ لبداية عهد جديد في علاقاتنا».

وهذه التحركات الإقليمية لتركيا، تؤكد أن حكومة حزب العدالة والتنمية تنتهج سياسة خارجية وإقليمية تختلف عن تلك التي كانت تلتزم بها الحكومات السابقة، وإن كانت لم تتجاهل الخيارات التقليدية للتحركات الإقليمية والدولية.

وهذا الأمر يمكن تفسيره بأحد تفسيرين؛ الأول أن تركيا توجد بدائل تختلف عن البديل التاريخي لنخبتها المتمثل في أوروبا، وحلم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، الذي يراود أحلام الأتراك منذ تأسيس دولتهم الحديثة على يد مصطفى كمال أتاتورك.

أما التفسير الثاني، أن تركيا تريد أولا تمهيد إحدى عقبات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي المتمثلة في اليونان، وثانيا أن تثبت لأوروبا أنها ضرورية لها، لأنها تملك مفاتيح مهمة في منطقة الشرق الأوسط، وأنها يمكن أن تكون الجسر الذي يربط أوروبا بالمنطقة وبالعالم الإسلامي، وأيضا بالعالم التركي، أي جمهوريات آسيا الوسطى ذات الأغلبيات التركية.

وبالطبع فإن التحركات الإقليمية التركية لها علاقة بان حزب العدالة والتنمية، الذي يواجه حاليا بضغوط على خلفية التعديلات الدستورية التي قدمها للبرلمان، والتي من المقرر أن يجرى عليها استفتاء بعد عدة أشهر، ومن المفترض أن يكون قد بدأ العد التنازلي للانتخابات التشريعية المقبلة، يسعى الحزب إلى تجاوز هذه الضغوط عبر التحركات الإقليمية.

خاصة تجاه الدول التي لتركيا مصالح معها، أو تلك التي كانت علاقاتها بها تمر بفتور أو تشهد أزمات، مثل سوريا واليونان. ولهذه التحركات دلالات مهمة، لأنها تعطي للمواطن التركي الإحساس بان تطورا مهما طرأ على السياسية الخارجية والإقليمية لبلدهم.

وهذه التحركات تستهدف في نفس الوقت أن تثبت للخارج أن السياسية الخارجية لتركيا في عصر العدالة والتنمية، ضرورية لإحلال الأمن الإقليمي وإحلال السلام في مناطق التوتر، الأمر الذي يعني تخفيف الضغوط على هذه الحكومة من قبل المعارضة، خاصة تلك التي تريد التحالف مع الغرب أو التي ترى أن العدالة والتنمية ينتهج سياسة تستهدف نزع تركيا عن «انتمائها الغربي».

وفي كل الأحوال، فإن أزمة الهوية ما زالت تستعر في تركيا وما زالت تتحكم في تحركاتها الإقليمية، بل والسياسية الخارجية، لأن تحركاتها تسير في أكثر من اتجاه في المرحلة الراهنة، بما يؤكد أنها تبحث عن رهانات مختلفة، وبالطبع على أن تكون دولة إقليمية مركزية في المنطقة.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com