من يلقي نظرة، ولو سريعة، على الخريطة السياسية الراهنة في الشرق الأوسط، يلحظ من غير كبير جهد، أن ثمة ثلاثة عناوين كبرى تختصر الحراك السياسي:

ـ عودة الجبار الروسي إلى لعب دور متنام في المنطقة، على المستوى السياسي كما على مستوى الاتفاقات الاقتصادية الثنائية.

ـ دخول تركيا بقوة على مسرح الأحداث، خصوصا لجهة توثيق علاقاتها مع سوريا أو لجهة استمرار تدهور هذه العلاقات مع الكيان الإسرائيلي.

ـ استمرار التعنت الإسرائيلي في مواجهة المشروع الأميركي لإنتاج صيغة حل متوازن للصراع العربي الإسرائيلي. سنحاول أن نتفحص كل عنصر من عناصر الصورة لنتساءل: أين يقع لبنان في هذه الخريطة المعقدة؟

كان واضحا أن زيارة الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف إلى كل من سوريا وتركيا، قد حملت عددا من الدلالات الاساسية، من حيث إعادة الحرارة إلى العلاقة التاريخية بين موسكو ودمشق، ودعم هذه العلاقة بتوقيع عدد كبير من الاتفاقات الاقتصادية والنفطية.

وصولا إلى احتمال بناء محطة نووية سورية لانتاج الطاقة، إضافة إلى تأسيس علاقة مشجعة جدا مع تركيا من خلال جملة من الاتفاقات الاقتصادية بمبلغ 25 مليار دولار، وبناء محطة نووية تركية على الساحل التركي المطل على البحر الابيض المتوسط واستثمارها، وإلغاء التأشيرات بين البلدين.

ولم يقتصر التقارب الروسي ـ التركي على الجانب الاقتصادي، بل تجاوز إلى الجانب السياسي، حيث تم التوافق على موقف شبه موحد إزاء الملف النووي الايراني، وإزاء التفاوض غير المباشر بين السلطة الفلسطينية واسرائيل، وإزاء ضرورة وجوب تحقيق الاستقرار في القوقاز والعمل لحل النزاع في اقليم ناغورني قره باخ.

أما لجهة الدور التركي المتصاعد، فقد باتت تركيا لاعباً كبيراً في الشرق الاوسط، بعد المراجعة التاريخية التي أجرتها لعلاقاتها السابقة مع أسرائيل وانحيازها للقضايا العربية، وخصوصاً بعد المجازر الاسرائيلية في غزة.

وقد تجلى هذا الدور التركي في تعزيز العلاقة مع سوريا وقطر، من غير إفسادها مع مصر أو المملكة العربية السعودية، كما من خلال الانفتاح المتزايد على حركة «حماس»، رغم استمرار الروابط الوثيقة مع منظمة التحرير الفلسطينية.

كان واضحا في الاشهر الاخيرة أن تركيا تلعب دوراً ملحوظا في تحسين العلاقات الاميركية ـ السورية، وفي نقل الرسائل بين تل أبيب ودمشق في اطار مساعيها لدعم تسوية متوازنة للصراع العربي ـ الاسرائيلي، على قاعدة مبدأ الدولتين والانسحاب الاسرائيلي إلى حدود 4 يونيو 1967 والتعويض للاجئين الفلسطينين.

في مقابل هذا الدعم الروسي ـ التركي المشترك لحل متوازن في الشرق الاوسط، استمرت المواقف الاسرائيلية في رفض الحد الادنى من الحقوق الفلسطينية، وفي مشروع تهويد القدس بوتيرة متسارعة.

فرئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو أعاد التأكيد في الذكرى ال43 لضم القدس، على أنه زلا يمكن تحقيق الازدهار في مدينة مقسمة، وإننا سنواصل البناء والنمو في القدسس، فيما يعلن وزير الامن الاسرائيلي أمام اجتماع للكنيست، أن تأجيل عملية هدم المنازل في القدس قد انتهى، ويكشف أمين عام الهيئة الاسلامية المسيحية لنصرة القدس، حسن خاطر، أن اسرائيل عازمة على بناء 12 ألف وحدة استيطانية جنوبي غربي القدس.

مما يقتطع آلافا عدة من الاراضي الفلسطينية في المدينة المقدسة، من أجل إسكان 45 ألف مستوطن جديد. حيال هذا التحرك الروسي ـ التركي النشيط في المنطقة (والذي أبدت الولايات المتحدة تحفظها عليه)، وحيال استمرار الزيارات الرسمية الاميركية إلى لبنان، كيف يسلك لبنان الرسمي؟

السمة العامة للسلوك اللبناني، هي المحافظة على التوازن. فالرئيس ميشال سليمان يكرر التأكيد أن لا سبيل إلى نقد وجود السلاح في يد حزب الله، ما دام الاحتلال الاسرائيلي للارض اللبنانية قائما، ويجاريه في ذلك رئيس الوزراء سعد الدين الحريري، الذي يستعد لزيارة دمشق في الأسابيع القليلة المقبلة.

في المقابل، يستعد الحريري للقيام بزيارة إلى واشنطن ونيويورك في 26 مايو الجاري، من أجل ترؤس اجتماع لمجلس الأمن الذي يتولى لبنان رئاسته لهذا الشهر، وللاجتماع إلى الرئيس الاميركي باراك أوباما، في أول زيارة للحريري كرئيس للوزارء إلى واشنطن.

وكان وزير الدفاع إلياس المر قد قام بزيارة ناجحة إلى موسكو، حيث تم التوقيع على عدد من الاتفاقات العسكرية لدعم الجيش اللبناني.

إذن، يجتهد لبنان في لحظة دقيقة على المستوى الإقليمي، لإبقاء خطوطه مفتوحه مع عواصم القرار الدولي، حتى يحفظ رأسه ويعبر العواصف بسلام.. ولو نسبي.

كاتب لبناني

opinion@albayan.ae