في التاسع من هذا الشهر، شهدت الساحة الحمراء في موسكو احتفالا عالميا بالذكرى 65 للانتصار على النازية الألمانية، ووضع النهاية للحرب العالمية الثانية (1941 ؟ 1945)، لتبدأ البشرية حقبة تاريخية عرفت بما بعد هذه الحرب. وقد كانت منطقة الخليج أهدافاً لم تتحقق في استراتيجيات هتلر وحربه التوسعية، سنأتي إليها في هذا المقال..
ما الذي كانت تحتاجه ألمانيا النازية إلى جانب المال والموارد البشرية لشن الحرب؟ عنصران مهمان آخران، هما الحديد الصلب ومواد الطاقة والوقود. بالنسبة للحديد الصلب فقد كانت ألمانيا وملحقتها النمسا تنتجان سنويا 20 مليون طن، بينما دول الحلفاء مجتمعة تنتج عشرة أضعاف. مواد الوقود والطاقة كانت في منطقة الخليج العربي البعيدة عن ألمانيا.
وللتعويض عن هذا العجز عملت ألمانيا على اتجاهين: الأول، عن طريق إحداث التفوق التكنولوجي وفي التقنيات العسكرية، والثاني، إنشاء مفاعل نووي وإنتاج القنبلة النووية، على أمل استمرار التوسع في الاحتلال وصولا إلى مصادر النفط للتحكم فيها وفي العالم. عدا ذلك، ومن وجهة نظر التخطيط العسكري الاستراتيجي، وجب تعويض نقص الموارد بالضربات الخاطفة الناجحة.
أي احتلال المناطق بسرعة، وبحيث لا يتمكن الخصم من استغلال أفضليات اقتصاده ذي الإنتاجية الأعلى، ثم اخضاع امكانيات هذه البلدان لخدمة التوسع الألماني في مناطق أخرى من العالم.
وعن طريق عمليات الحرب الخاطفة تم إخضاع فرنسا، وكان يخطط لحرب خاطفة كبرى على الاتحاد السوفيتي. أما بريطانيا فخطط لإخضاعها عن طريق حرب قصف شاملة. لقد افترض الألمان أن سرعة العمليات لن تسمح للعدو بتشغيل صناعته العسكرية بأقصى مداها.
خلال السنتين الأولى والثانية لم يتحقق المفهومان اللذان قامت عليهما الحرب. لم يتطور الإنتاج الألماني بسبب التوجيه المركزي المفرط لاقتصاد الحرب، وتنافى ذلك مع الطبيعة الرأسمالية، بعكس ما كان في الاتحاد السوفيتي. أدى ذلك في ألمانيا إلى فوضى إنتاجية عارمة عام 1941 خنقت كل مبادرة، كما أن الحرب الخاطفة على الاتحاد السوفيتي فشلت.
بدأ الوضع في التغير عام 1942، عندما أجرى وزير الدفاع الألماني ألبرت شلير، الذي خلف سلفه فريتس تودت، إصلاحا شاملا لهذا النظام. استبدل نظام التراتبية العمودية بإنشاء لجان متخصصة في هذا المجال الإنتاجي أو ذاك، خضعت للوزير مباشرة. ووحدت كل حلقة المؤسسات المشتركة في نوع واحد من الإنتاج، في إطار تراتبية أفقية.
وقد أعطى ذلك نتائج مذهلة غيرت وضع ألمانيا في هذا الجانب.
لكن وتيرة التوسع النازي كانت أسرع من تطور إمكانيات الصناعة الألمانية. فللاحتفاظ بكل بلد جديد محتل، كان لا بد من الانتقال إلى ما بعد تلك الحدود.
وقد وسع ذلك من جبهة البلدان والشعوب المعادية للألمان، التي أذلها جيش الاحتلال النازي وأخذ أبناءها للعمل سخرة في ألمانيا، وأصبح التوسع يزداد كلفة وعبئا. في المقابل استطاع الاتحاد السوفيتي أن يكسب احترام ودعم المواطنين في بلدان أوروبا، باعتبار الجيش الأحمر جاءها محررا من الوحش النازي. وبهذا المعنى كان دور الجبهة الشرقية مقررا.
وبفضل دور الاتحاد السوفيتي المباشر والمساعدات المادية الأميركية، تم على الجبهة الشرقية عكس مسار الحرب تماما. أصبحت هذه الجبهة تتحرك غربا باستمرار. كانت الدعاية الألمانية تتحدث عن تصحيح في الأوضاع على هذه الجبهة، لكن الحديث في الواقع كان يدور حول التراجعات هناك.
هجوم ألمانيا شرقا استهدف أساسا البحث عن موارد الطاقة. فقد أعدت مخططات للإلحاق وفرض الهيمنة العسكرية الألمانية حتى حدود آسيا. وكان الهجوم على جنوب الاتحاد السوفييتي عام 1942، مرتبطا مباشرة بخطط احتلال منابع النفط. وفي إبريل 1942 أعطى هتلر الأوامر بأن الضربة الرئيسية يجب أن توجه إلى الجبهة الجنوبية. والهدف؛ السيطرة على مناطق النفط في القوقاز، ثم إلى الفضاء العربي.
وقد جاء في الوثائق الألمانية أن هدف التقدم إلى الفضاء العربي هو قناة السويس وإيران والخليج، وإلى جانب ذلك احتلال العراق وسوريا وفلسطين. وأكدت تلك الوثائق على ضرورة التحضير لاحتلال منشآت النفط في مختلف مناطق حددت بالاسم: كركوك، خانقين، عبادان، الكويت، البحرين، خطوط أنابيب النفط الموصلة إلى طرابلس وحيفا، وكذلك مصانع تكرير النفط.
كان الخليج حتى قبيل الحرب العالمية الثانية، منطقة صراع ضار بين بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية. ومع ذلك أصبح هدف البلدين بعد بدء الحرب، هو عدم السماح لألمانيا بالوصول إلى منابع النفط في الخليج، واحتفاظهما بالسيطرة المنفردة على النفط وأسواق تصريفه.
وفي سردياته الوثائقية عن الحرب وامتداد الزحف النازي شرقا، ذكر ونستون تشرتشل أن الحملة الروسية البريطانية المشتركة، تهدف بشكل رئيسي إلى فتح طريق مواصلات من الخليج إلى بحر قزوين.
وقد احتلت البحرين مكانا بارزا في هذه الاستراتيجية، حيث يذكر بعض المصادر أن شيخ البحرين أعلن الحرب على ألمانيا في سبتمبر 1939.
وقد وضعت قوات البحرين تحت القيادة البريطانية في مسرح العمليات العسكرية في الشرق الأوسط. وتعرضت آبار النفط في البحرين لقصف من الطيران الإيطالي. وقد أنزلت القوات البريطانية قوات كبيرة في البحرين، ومنذ عام 1946 أصبحت المنامة مقر قيادة الإدارة البريطانية في منطقة الخليج.
أما شعب البحرين الذي ناهض الاستعمار البريطاني بنضاله التحرري منذ عام 1918، فقد كان معاديا للنازية بطبيعته. وبعد الانتصار العظيم على الفاشية ودعم وإلهام الاتحاد السوفيتي لحركات التحرر الوطني في البلدان العربية وإيران، انتشر المد التحرري الوطني والقومي في بلدان منطقة الخليج. واكتسب هذا النضال في البحرين دفعا جديدا في الخمسينات، بقيام هيئة الاتحاد الوطني ثم جبهة التحرير الوطني.
وباعتبارها المصدر الأساس لموارد الطاقة، ستبقى هذه المنطقة محط أنظار القوى الكبرى التقليدية في العالم، أو الجديدة الصاعدة بعد الأزمة العالمية. ثروات هذه المنطقة وموقعها الجيوستراتيجي، يمكن أن تشكل مصدر قوة وضعف لبلدانها في آن. ما يغلب أحدهما على الآخر، هو بناء التعاون والأمن الإقليميين بين بلدان المنطقة كافة.
كاتب بحريني
ajnoaimi@gmail.com