يشهد مناخ الأمن الدولي تحديات عدة كالإرهاب الدولي وغيرها، ومن بين هذه التحديات للبشرية اليوم أسلحة الدمار الشامل، التي تهدد أيضاً بشكل متزايد منطقة الشرق الأوسط، هذه المنطقة المثخنة بالنزاعات والصراعات والتي لا تحتاج لمزيد من المخاطر مثل انتشار أسلحة الدمار الشامل.
إن منطقتنا تشهد مخاضاً في الظرف الراهن سينتج عنه حتماً ولادة وضع جديد. وفي سبيل أن تكون الأوضاع الجديدة في منطقتنا بمستوى آمال شعوبنا في التقدم والازدهار، فإن ذلك يتطلب التنسيق بين الأطراف المعنية في المنطقة من خلال تفاعل دول المنطقة الايجابي في ما بينها، ومع الأسرة الدولية للتنسيق بما يخدم المصالح المشتركة، وذلك يتطلب علاقات تظللها النوايا الحسنة.
كما أن ذلك يستوجب الإقلاع عن الاتجاهات العاطفية في المنطقة من خلال إصلاحات ديمقراطية وتنمية حقيقية بما في ذلك إحداث تطور علمي وتقني، والسعي الحثيث لتحقيق سلام دائم وعادل في الشرق الأوسط، باعتبار أن دول المنطقة قد جعلته خياراً استراتيجياً لها. إن الأمن الذي تحتاجه منطقتنا هو بنفس مستوى أهمية تحقيق السلام العادل، وإحدى تحدياته جعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل.
إن الأسرة الدولية بما فيها دول منطقتنا قد سعت لإبرام العديد من الاتفاقيات للحد من أسلحة الدمار الشامل، وكان من أبرزها بروتوكول جنيف في عام 1928، ذلك البروتوكول الذي يمنع استخدام السموم وبقية الغازات الضارة واستخدام البكتيريا في الحروب، وبذلك كان البروتوكول الأول بشأن استخدام الأسلحة البيولوجية والكيمياوية.
وفي عام 1970 كانت المعاهدة الشهيرة بمعاهدة حظر انتشار السلاح النووي (خذش) التي من بين أهدافها منع انتشار السلاح النووي وتقنيته، وأشاعت التعاون في سبيل الاستخدامات السلمية للطاقة النووية. ومن أهداف هذه المعاهدة البعيدة تحقيق نزع السلاح النووي في إطار الجهود الدولية لنزع السلاح بشكل عام وكامل. هذه الاتفاقية التي تلتزم بها دولنا العربية، مما يتطلب أن تلتزم بها إسرائيل.
لحق بعد ذلك، المعاهدة الخاصة بالأسلحة البيولوجية في عام 1975 والتي كانت أول معاهدة متعددة الأطراف تحظر إنتاج هذا النمط من الأسلحة. وكذلك معاهدة السلاح الكيمياوي في عام 1997 والتي إلى جانب حظرها هذا السلاح، أكدت على أهمية تدمير أي كميات موجودة منه من منطلق منع تخزينه أو نقله أو استخدامه وقبل كل ذلك منع إنتاجه.
إن فكرة إقامة مناطق خالية من أسلحة الدمار الشامل تعتمد على المقاربة الإقليمية لآمال حظر انتشار السلاح النووي، والذي من شأنه أن يعزز الجهود الدولية من أجل السلام والأمن الدوليين. وفي البند السابع من معاهدة حظر انتشار السلاح النووي أكدت الدول الموقعة على إقامة مناطق إقليمية خالية من السلاح النووي.
ومن المناطق الإقليمية التي تم إعلانها مناطق خالية من السلاح النووي ووقعت بشأنها معاهدات إقليمية هي أميركا اللاتينية والدول المطلة على جنوب المحيط الهادي ودول جنوب شرق آسيا وإقليم آسيا الوسطى والقارة الإفريقية. مثل هذه المعاهدات الإقليمية تتطلب عدداً من الدول الموقعة عليها كحد أدنى حتى تدخل حيزة التنفيذ، وهي معاهدات تعتمد على سلطات لمراقبة تنفيذ هذه المعاهدات مثل منظمة الطاقة الدولية، كما يتطلب ذلك أن تحترم الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن إعلان مثل هذه المناطق الإقليمية كمناطق خالية من أسلحة الدمار الشامل.
إننا أحوج ما نكون إلى إقامة منطقة خالية من السلاح النووي في الشرق الأوسط وقد تقدمت إيران في عام 1974 بمقترح بهذا الشأن وساندتها مصر بذلك، وفي عام 1980 دعمت الجمعية العمومية للأمم المتحدة جهود الأطراف الإقليمية من خلال إصدار إحدى قراراتها لتلك الدورة بهذا الشأن.
كما أن جمهورية مصر العربية اقترحت في عام 1990 توسيع المقترح لتتضافر الجهود وتكون منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من كافة أسلحة الدمار الشامل ولا تقتصر فقط على إخلائها من الأسلحة النووية. واصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار رقم 687 بعام 1991 الذي تبنى إقامة منطقة خالية من السلاح النووي وكافة أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط.
إن الخطوات نحو إقامة منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط تتطلب تضافر جهود الحكومات والمجتمعات المدنية، كما أن الاتفاق بهذا الشأن يتطلب تعزيز الثقة في الإقليم كله. ولنجعل الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل يجب أن نراجع المبادرات السابقة والدروس المستقاة منها وذلك من خلال التفحص في عناصر الضعف وعناصر القوة لإقامة مثل هذه المنطقة.
وعلى الرغم من المصاعب السياسية الراهنة في منطقتنا فإن بذل الجهود لجعل منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل تلقى دعم معظم الأطراف في المنطقة. ومما يعزز يقيننا في تحقيق تقدم باتجاه إخلاء منطقتنا من أسلحة الدمار الشامل، الإدراك الواسع لشعوبنا العربية للمخاطر والتحديات التي تقف أمامنا.
ولاستكشاف إمكانية إخلاء المنطقة من سلاح الدمار الشامل نحتاج إلى جهود ذوي الخبرة في دراسة الجوانب التقنية لتحقيق هذا الهدف حتى لا يتم إغفالها في أي اتفاقيات إقليمية بهذا الشأن، كما هو الحال في التعامل مع الملف الإيراني والمباحثات بشأن تخصيب اليورانيوم الجارية بين إيران ومنظمة الطاقة الدولية.
إن الأسرة الدولية كما هو الحال بالنسبة لشعوب منطقتنا تؤكد الحاجة إلى حل دائم وعادل للنزاع العربي الإسرائيلي، والجميع مقتنع أن تدهور أوضاع المنطقة الأمنية من جراء الحرب الأخيرة على غزة وتعتبر المباحثات حول القضية الفلسطينية، والنشاط الاستيطاني الإسرائيلي والتهديدات التي تتعرض لها سوريا ولبنان، كل هذا يعيق السلام في المنطقة وبالتالي يؤثر في جهود الاستقرار والأمن فيها والتي من شأنها أن تعزز الحوار لجعل منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل.
إن الخلاص من أسلحة الدمار الشامل يتطلب العمل على مراحل، فجزء منها يمكن شطبه بفضل الضمانات الدولية، وجزء آخر مقايضته باتفاقية معينة والجزء المتبقي يمكن الخلاص منه عندما يسود السلام الشامل والعادل وتتركز الجهود نحو أن تتحقق فرص التعاون للتنمية والازدهار في الشرق الأوسط.
