«لقد ذكرت القدس 850 مرة في العهد القديم و142 مرة في العهد الجديد.. ولم تذكر مرة واحدة في القرآن» تلك أحدث أقاويل بنيامين نتانياهو رئيس وزراء إسرائيل عن جوهرة تاج المدن العربية والإسلامية. وهي أقوال تنبئ منذ اللحظة الأولى بمصير المفاوضات غير المباشرة التي انطلقت الأسبوع الماضي برعاية أميركية.

من قراءة التصريحات الأولية للمسؤولين الأميركيين والإسرائيليين يبدو أن الوسيط الأميركي قد استعار الطريقة العربية الممقوتة في التعامل مع القضية الفلسطينية، وهو الذي استغرق عقودا يشكو مر الشكوى من أن العرب يقولون في الغرف المغلقة شيئا ويخرجون على الملأ لقول شيء آخر معاكس.

فبيان الخارجية الأميركية يؤكد أن واشنطن انتزعت وعدا من إسرائيل بتجميد البناء الاستيطاني في القدس المحتلة لمدة عامين.

وبعد دقائق قليلة يخرج متحدث إسرائيلي ليكذب الرواية ويؤكد أن إسرائيل لم تعد بشيء من هذا القبيل ولن تتوقف عن ترجمة مخططاتها في المدينة إلى واقع. ثم يستنجد الطرف الفلسطيني بواشنطن على اعتبار انه قبل التفاوض هذه المرة بناء على وعود أميركية.

وبحساب بسيط لمعادلة القوى بين الطرفين المتفاوضين يتضح أن الرهان على أن تحقق هذه المفاوضات شيئا ذا بال ليس إلا نوعا من الوهم اللذيذ الذي يستطيبه بعضنا تحت مزاعم الليبرالية والانفتاح والنظر للجزء المملوء من الكوب.

فإسرائيل تبدأ التفاوض موحدة بقيادة صقورها، بينما الفلسطينيون يعانون التشظي ويتفاوضون بجناح الحمائم وحده. وإسرائيل خلفها جبهة دعم قوية ممثلة في الإدارة الأميركية والحكومتين البريطانية والفرنسية بما عرف من تعاطف لدى ساركوزي وكاميرون مع دولة الاحتلال (حتى لو استبعدنا جذورهما الدينية من المعادلة)، بينما جبهة الدعم العربية المفترضة مشتتة ويبدو وكأن أطرافها الكبار يدخلون اللعبة مدفوعين بمصالحهم وليس بالمصلحة العربية العليا.

إسرائيل تبدأ التفاوض محمية بترسانتها العسكرية الضخمة وبنيتها المعلنة حسم الصراع في ميدان القتال إذا تعذر حسمه على موائد التفاوض، بينما الفلسطينيون المتفاوضون ينبذون المقاومة وسلاحها وكأنها عار يخشونه ويعدون بوأده طبقا لاتفاق دايتون، إسرائيل توظف التوراة وأساطير العودة المختلقة (كما يبدو من تصريحات نتانياهو الأربعاء الماضي) والفلسطينيون ومن ورائهم العرب يخشون اتهامهم بتديين الصراع، ولا يريدون لمفاتيح البيوت التي لم تصدأ بعد أن تستخدم في خلفية المشهد.

الفلسطينيون يكذبون على النفس ويمنونها بالنجاح، بينما تصارح إسرائيل نفسها وهذا ما تجلى في تصريحات أكثر من وزير إسرائيلي الأسبوع الماضي تؤكد أن هذه الجولة مصيرها الفشل، أما مسوغات الفشل هذا فإن الفلسطينيين لن يقبلوا بأقل مما عرض على ياسر عرفات ورفضه في كامب ديفيد، والإسرائيليون لن يعرضوا أبدا ما عرضوه فيها.

هل بعد كل ذلك يتساءل أحد عن مصير القدس؟؟

إذا كان أحد مهموما بالبحث عن كيفية إيجاد حلول حقيقية لهذه الورطة التاريخية التي نعيشها فليس أمام الطرف العربي من سبيل إلا السعي لتغيير المعادلة وطرح أسئلة جوهرية على الذات، وأهم هذه الأسئلة الموجعة.. هل ما تزال القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للعرب..

أم أن القضية المركزية تتمثل الآن في بقاء الحكام على كراسي السلطة والتخلص من هذا العبء التاريخي بقبول أي فتات قد يعرض ويحمل اسم دولة فلسطين؟ بمعنى هل يصر المفاوض على عودة كامل أرض 67 كحد أدنى أم يقبل بجمهورية فكهاني جديدة في الضفة الغربية هذه المرة؟

وإذا كان القادة أو وزراء الخارجية سيتشدقون في اجتماعات الجامعة بأنها لاتزال القضية المركزية، فما الذي يمكن لهم أن يقدموه بطريقة واقعية وليس عبر أجهزة إعلامهم التي تتولى تضخيم التوافه من الأمور وتصور العطايا القليلة باعتبارها بذلا للغالي والنفيس في سبيل فلسطين؟

ينبغي أن يطرح أيضاً السؤال الجارح.. هل تعود أراضي 67 كاملة بما فيها القدس ويتمكن الفلسطينيون من إقامة دولة كاملة السيادة عليها عبر المفاوضات وحدها؟ وإذا لم يكن ذلك ممكنا ما هو البديل؟ هل دول المواجهة القديمة مستعدة لأن تلغي معاهداتها المكتوبة أو الصامتة مع الإسرائيليين وتعود للانخراط مرة أخرى في الصراع؟

magdishendi@hotmail.com