وضعت أزمة الديون في اليونان الحكومة أمام سيناريوهات مختلفة المسارات، تماماً كما وضعت الاتحاد الأوروبي أمام امتحانه الأصعب لربما منذ تأسيسه قبل أكثر من نصف قرن.

واليوم، تملك أثينا خطةً طموحة لتقليص العجز في ميزانيتها وسداد ديونها التي تقدر بـ 300 مليار يورو أي ما يعادل ديون بريطانيا بما تملكه من اقتصادٍ ضخم.

ويكمن التحدي الحقيقي في نجاح سعي الحكومة الاشتراكية برئاسة جورج باباندريو إلى تخفيض النفقات وملاحقة التهرب الضريبي والهدر ما سيمكنها من تقليص معدلات العجز من 7 .12 في المائة إلى 7 .8 في هذا العام فقط على أن تصل في نهاية خطة الإنقاذ بأعوامها الثلاثة في 2012 إلى 3 في المائة وهو المعدل المسموح به في دول منطقة اليورو الـ16.

والحال، أن أخطاء السياسيين وعدم تعاملهم بالشفافية المطلوبة فيما يخص السجلات والتعاملات المالية على مدى أعوام، بهدف إخفاء حجم العجز، كانت من الأسباب التي أفضت إلى ما وصلت إليه الأمور في نهاية المطاف، وإن لم تكن العوامل الوحيدة بطبيعة الأمر.

فليس من العدل تحميل المسؤولين جشع المضاربين عديمي الذمة الذين يجنون المليارات يومياً من خلال المراهنة على عجز اليونان عن تسديد ديونها. ولذلك كان من السهل تفسير «غضبة» نقابات العمال حينما خرجت إلى الشوارع احتجاجاً على خطط التقشف المعلنة رافضةً أن تؤخذ بجريرة رجال السياسة.

ورغم أن البعض فضل أن يفسر التظاهرات بأنها جزء من «الطابع الثوري» وحلقة من مسلسل «إرث التمرد» لدى الشعب اليوناني منذ عهود الإغريق والذي اعتاد كما يبدو على فصول التراجيديا، فإنه كان حرياً بتلك الحركات والنقابات أن تلعب دوراً إيجابياً وتكف عن صب الزيت على النار وإصابة البلاد بالشلل كما حدث إثر الإضراب الذي دعت إليه مؤخراً خاصةً مع قدوم فصل الصيف في بلدٍ يعتمد على عائدات السياحة بشكلٍ كبير.

وعلى الجميع ألا يتوقعوا أن تلعب الحكومة اليونانية دور «زيوس» أو حتى «هرقل» في عملية التخلص من تلك التركة الثقيلة، فلا أحد في زمن الأزمة المالية العالمية بقادرٍ على صنع المعجزات.

فمع الحاجة الماسة إلى جهدٍ جماعيٍ متكامل داخل البلاد وحتى ضمن المنظومة الأوروبية، تأمل أثينا أن تجد آذاناً صاغية من قطاع الصحة، وتحديداً المستشفيات، التي يترتب عليها التعاون التام في مجال خفض الإنفاق وتحسين نوعية إدارتها بما يضمن توفير قرابة 4 .2 مليار يورو.

وهذا ما سيضع اليونان بالتدريج على طريق التعافي ويغري المستثمرين من جديد على ضخ أموالهم هناك ويعيد الثقة أيضاً بقدرة حكومة باباندريو على جذب رؤوس الأموال.

وفي الوقت ذاته، يخشى الكثيرون أن يكون ناقوس الأزمة ليس إلا صافرة البدء لماراثون إغريقي طويل يصنف ضمن «عامل الدومينو» فيطال معه دولاً أخرى تعاني عجزاً كبيراً في ميزانياتها مثل إسبانيا والبرتغال، بل وحتى دولاً مثل فنلندا وهولندا. وتأتي تلك المخاوف من حقيقة أن أغلبية الديون اليونانية هي لدائنين من داخل الاتحاد الأوروبي وعلى وجه الخصوص ألمانيا وفرنسا.

ما يعني في الواقع أن لا مجال للخطأ أو الإهمال هذه المرة وإلا فإن الأزمة ستنقلب وبالاً على مفهوم التضامن داخل البيت الأوروبي والذي تعرض إلى زلزالٍ معنويٍ كبير منذ أن فتح «صندوق باندورا» قبل أكثر من شهرين.

كما أن الهزات الارتدادية قد تضعضع استقرار الحكومات الأوروبية فتسقطها أو تضعفها، لتجد نفسها مضطرةً إلى البحث عن تحالفاتٍ جديدة وسط ركام صناديق الاقتراع كما حصل في الانتخابات المحلية في ألمانيا قبل نحو أسبوع.

يبقى لافتاً موقف الولايات المتحدة من القضية بعدما نفضت يديها من المعمعة واعتبرتها «مشكلة خاصة بالأوروبيين» رافضةً التدخل بأي شكلٍ من الأشكال لتسويتها.

وينظر الأميركيون إلى دول اليورو، غريم الدولار التقليدي، على أنها تنضوي تحت لواء تكتلٍ يتبع 16 أسلوب إنفاق متناقضا وتغيب عنه وحدة السياسات النقدية لفقدان تلك السياسية، وهو نقيض ما يحصل في واشنطن حينما تطرق العثرات المالية الأبواب رغم روتين المناكفات التقليدية بين البيت الأبيض و«الكونغرس».

تواجه اليونان إذاً تحدياتٍ جمة لدرء خطر الانزلاق نحو الإفلاس وتسديد ديونها بحسب الجدول الزمني مدركةً أنها لم تطلق شرارة الأزمة، وهي ليست خاصة بها وحدها بل سلسلة مترابطة مع العالم بأسره.

وبفضل خطط التقشف التي كشف النقاب عنها والدعم الذي حصلت عليه اليونان من بروكسل والمرونة التي يتمتع بها اقتصاد البلاد فضلاً عن خبرة أعضاء حكومة باباندريو ورؤيتهم الرصينة، فإن أثينا تأمل أن يثبت المستقبل أن ما حصل لا يعدو عن كونه سحابة صيف عابرة وليس كرة ثلج متدحرجة.

bbaker@albayan.ae