بعد أن أدى قرار لجنة المتابعة العربية، إلى رصف الطريق أمام المفاوضات غير المباشرة التي ألحت عليها الإدارة الأميركية، لم يكن أمام القيادة الفلسطينية سوى أن تتخذ قراراً في اتجاه واحد، وهو الموافقة على بدء هذه المفاوضات.
والحقيقة أن الرئيس محمود عباس الذي يعرف تماماً مدى قوة المعارضة في داخل منظمة التحرير الفلسطينية، وفي الإطار الفلسطيني الأوسع، كان هو من طلب عقد اجتماع لجنة المتابعة العربية.
من ناحية حتى يستقوي بذلك على المعارضين، ومن ناحية ثانية، حتى يستقوي بالقرار والحماية العربية التي عليها أن تتحمل المسؤولية إزاء التداعيات التي تنجم عن سير ونتائج مفاوضات، يخسر كل من يراهن على جدواها في تغيير السياسة الإسرائيلية.
يوم السبت الماضي الثامن من الجاري، عقدت اللجنتان التنفيذية لمنظمة التحرير، والمركزية لحركة «فتح»، اجتماعاً، أعطتا خلاله الموافقة التي كان ينتظرها جورج ميتشل، لكي يعلن في اليوم التالي عن بدء انطلاق المفاوضات غير المباشرة، لأربعة أشهر وفق «الرزنامة» العربية.
الأجواء التي اتخذت فيها اللجنتان القرار، تذكّر مع فارق بالأجواء التي سادت اجتماعات اللجنة التنفيذية عشية إعلان التوصل إلى اتفاقية إعلان المبادئ المعروفة باسم اتفاقية أوسلو. في الحالتين القرار تم اتخاذه بالأغلبية، فلقد رفضت الجبهتان الشعبية والديمقراطية، وكذلك حزب الشعب تلك الاتفاقية، كما رفضت أو تحفظت على قرار الموافقة على المفاوضات غير المباشرة.
في هذه المرة المعارضة أكثر اتساعاً وأشد تأثيراً وقوة من الأيام الخوالي، حيث تشكل حركة «حماس» قوة كبيرة وهي تسيطر على قطاع غزة منذ ثلاث سنوات، ولم تكن عند توقيع اتفاقية أوسلو على هذه الدرجة من القوة والتأثير، فضلاً عن كونها هذه المرة تملك أوراق ضغط حقيقية وفعالة.
إذ لا يمكن أن تقوم دولة فلسطينية، أو تحظى أية تسوية بموافقة جماعية، مع وجود عقبة كبيرة تمثلها حركة «حماس» والمعارضة الفلسطينية التي تنضم إليها حركة الجهاد الإسلامي، فضلاً عن عدد من الفصائل الفلسطينية التي تتخذ من دمشق مقراً لقياداتها.
رغم هذا الواقع يتصرف الرئيس محمود عباس بواقع التفويض الشعبي الذي انتخبه رئيساً قبل أكثر من خمس سنوات، والذي منع الانقسام الفلسطيني إمكان تجديده، لكن انتهاء ولايته الدستورية، لم يمنعه من مزاولة صلاحياته إلى حين انتخاب بديل عنه أو إعادة انتخابه.
على أن المشكلة ليست في المقام الأول عند الفلسطينيين، وإلا لكان للمعارضين فعل أقوى وأكثر ملموسية في التأثير في وضعية الرئيس محمود عباس، وفي السلطة، والقرار الذي اتخذته القيادة الفلسطينية بشأن إجازة المفاوضات غير المباشرة.
يدرك الفلسطينيون أنهم لم يعودوا بحاجة إلى المزيد من الصراع والانقسام الداخلي، فالاستعصاء التفاوضي لا يتصل بالموافقة أو الممانعة الفلسطينية، وإنما في الأساس بالسياسة الإسرائيلية، وفي كيفية التصرف الأميركي مع تلك السياسة.
لا أحد يراهن على إمكان حدوث وانتظار تغيير في السياسة التي يقودها الائتلاف الحكومي الذي يتميز بالتطرف في إسرائيل، وبالتالي فإن الكرة بعيدة عن المرمى الفلسطيني، وهي معظم الوقت إما في الملعب الإسرائيلي، أو في الملعب الأميركي.
إذا كانت المفاوضات التي تجرى بين الفلسطينيين والإسرائيليين محكوم عليها بالفشل مسبقاً، فإن موافقة القيادة الفلسطينية ولجنة المتابعة العربية، إنما تدخل في إطار العمل السياسي الإيجابي الذي يستهدف تعزيز التعارض بين الموقفين الإسرائيلي والأميركي، وتحقيق تفهم أعمق من قبل المجتمع الدولي، فحقيقة أن إسرائيل هي التي تتحمل مسؤولية فشل المفاوضات وكل المحاولات السابقة والحالية من أجل التوصل إلى تسوية سلمية.
بصريح العبارة قال أحد وزراء الخارجية العرب الذي حضر اجتماع لجنة المتابعة العربية، إن العرب لا يثقون بإسرائيل، وإنهم لا يراهنون على سياساتها إزاء ممكنات السلام، ولكن الأمر يتصل بإعطاء الولايات المتحدة فرصة جديدة تمتد لأربعة أشهر، فإن نجحت كان بها، وإن لم تنجح فإنه لن يكون أمام العرب سوى أن يبحثوا عن خيارات أخرى.
إن وقائع الأيام القليلة الماضية بينت أن إسرائيل غير ناضجة، وغير مؤهلة لخوض المفاوضات غير المباشرة، ويبدو أن نتنياهو كان يتمنى أن يأتي القرار الفلسطيني برفض هذه المفاوضات، حتى يقول إن الفلسطينيين هم المسؤولون عن تعطيل الجهد الأميركي.
قبل الإعلان عن انطلاق المفاوضات غير المباشرة رسمياً ظهر الأحد الماضي التاسع من هذا الشهر، قامت إسرائيل بالإعلان عن بناء أربع عشرة وحدة سكنية في القدس، وكان ذلك تأكيداً لتصريح أدلى به نتنياهو وينفي خلاله أن إسرائيل قدمت ضمانات بوقف الاستيطان، أو أن إسرائيل عازمة على تغيير سياساتها الاستيطانية.
وفي تصريح آخر، قال نتنياهو إنه يفضل ويدعو إلى مفاوضات مباشرة من دون شروط مسبقة، ما يدل أولاً على أنه وحكومته غير جاهزين للمفاوضات، وعلى أن إسرائيل فعلاً تفضل صيغة المفاوضات الثنائية المباشرة كما كان الوضع سابقاً، ولاستبعاد أي طرف حتى الولايات المتحدة عن هذه المفاوضات، الأمر الذي يجعلها رهناً بالسياسة الإسرائيلية وبموازين القوى.
إن القراءة المدققة ولو قليلاً، لمقومات السياسة الإسرائيلية، تؤدي إلى استنتاج غاية في الوضوح، إذ يترتب على نتنياهو التوفيق بين حاجته لمجاملة الإدارة الأميركية، وحاجته في الوقت ذاته للاحتفاظ بائتلافه الحكومي الذي سينهار إذا اضطر نتنياهو لوقف الاستيطان، خصوصاً في القدس.
معادلة صعبة، تستدعي من نتنياهو الكثير من التضليل والكذب والمناورة لكسب المزيد من الوقت، ولذلك نراه يعاود الحديث عن دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة رفضها الفلسطينيون والعرب، خوفاً من أن تصبح دائمة.
وحين لا يفلح في تمرير مناورته، يعود للتمسك بأن تبدأ المفاوضات غير المباشرة بموضوع الأمن، في مقابل الاقتراح الفلسطيني الذي يرى بأن هذه المفاوضات ينبغي أن تبدأ بحدود الدولة والقدس، على أن تشمل اللاجئين والأمن والمياه.
كاتب فلسطيني
