ميدفيديف في دمشق

ميدفيديف في دمشق

كما كان لفرنسا وبريطانيا والنمسا نفوذ في بلاد الشام أيام السلطنة العثمانية في القرن التاسع عشر كان لروسيا أيضاً مثل هذا النفوذ، ومثلما ادعت فرنسا حماية كاثوليك المشرق، وإنجلترا حماية البروتستانت (الإنجيليين) فقد ادعت روسيا القيصرية حماية الأرثوذكس والكنيسة الأرثوذكسية المشرقية، التي رغم استقلالها (الكهنوتي) والمالي والإداري.

وعدم ارتباطها بأي رئاسة دينية خارج البلاد العربية (كما هي حال الكاثوليك والبابوية) فإن الصلات المعنوية والروحية والتضامن كانت قائمة بينها وبين مثيلتيها اليونانية والروسية، ومازال هذا التعاطف والتعاون قائماً حتى الآن.

ومثلما كان للدول الأوروبية نصيب في الامتيازات التي فرضت على السلطنة العثمانية، كان لروسيا أيضاً مثل هذه الامتيازات في القدس ودمشق وبلاد الشام عامة، وبقيت بلاد (الموسكوف) كما كان الشاميون يسمونها قريبة من السمع والبصر، وتأسس استشراق روسي مبكر.

وقامت صلات علمية وثقافية بين بلاد الشام وروسيا، وافتتح الاتحاد السوفييتي سياسته الخارجية بعد قيامه مباشرة بأمرين هما إرسال برقية بتوقيع لينين إلى مجلس العلماء في دمشق (وكان يعتقد أنه مجلس علماء وليس مجلس رجال دين) يعلمهم فيه بقيام الثوة البلفشية وأهدافها ورغبتها بالتعاون مع الشعوب ودعوتها للسلم ورفضها للاستعمار.

والأمر الثاني هو نشر اتفاقية سايكس بيكو السرية، التي كانت تقضي بتقاسم بلاد الشام بين الاستعمارين الفرنسي والبريطاني، وهو ما يتعارض مع الاتفاقات البريطانية مع الشريف حسين ومع قادة الثورة العربية الكبرى.

لم يكن بإمكان سورية أن تقيم علاقات مع الاتحاد السوفييتي وهي تحت الانتداب الفرنسي، وما أن اعترف الفرنسيون بحقها في الاستقلال عام 1943 (أعلن الاستقلال عام 1946)، حتى قررت الحكومة السورية تبادل التمثيل الدبلوماسي مع الاتحاد السوفييتي، وقد تم ذلك عام 1944. وفي هذا السياق ابتدأ التمثيل الدبلوماسي بين البلدين بطرفة جديرة بالذكر.

سمّت سورية المرحوم عبد المطلب الأمين قائماً بالأعمال وممثلاً لها في موسكو، وكان شاعراً وروائياً وصحفياً ومن ظرفاء دمشق، فانتظر مدة ليست قصيرة قبل أن يستقبله (مولوتوف) وزير خارجية الاتحاد السوفييتي، وكان مولوتوف يعرف الوضع في سورية.

وإصرار السلطات الفرنسية المستعمرة على جعل استقلالها الذي أعلن عام 1943 نظرياً، وإبقاء القوات الفرنسية معسكرة فيها سنوات أخرى، فقال للدبلوماسي السوري أرجو أن تطمئن حكومتك وشعبك بأن الاتحاد السوفييتي يدعم مطالبكم بالاستقلال وليس له أي مطامع استعمارية في بلادكم.

وكانت الجيوش السوفييتية حينها تحاصر برلين. فرد القائم بالأعمال السوري: وأنا باسمي واسم حكومتي واسم الشعب العربي السوري أطمئن حكومتكم وشعبكم بأنه ليس لدينا أي مطامع استعمارية في الاتحاد السوفييتي. وعندها انفجر مولوتوف بالضحك وهو المعروف عنه (التجهم الدائم) وأصبحا صديقين.

أما في التاريخ المعاصر، فقد تنامت العلاقات السوفييتية السورية منذ عام 1956 بعد زيارة الرئيس السوري شكري القوتلي لموسكو ذلك العام، وحصوله على موافقتها بتزويد سورية بالسلاح، ثم توطدت أيام الوحدة السورية ـ المصرية وتحولت إلى علاقات تحالف وعلاقات إستراتيجية بعد تولي حزب البعث السلطة في سورية.

وتركزت هذه العلاقات في الستينات والسبعينات والثمانينات على التعاون العسكري أولاً وتزويد سورية بالسلاح والخبراء العسكريين، والتعاون الاقتصادي ثانياً (بناء سد الفرات، تمديد الخطوط الحديدية، تمديد خطوط نقل الكهرباء، مد أنابيب النفط واستثمارات أخرى..) فقد تجاوز عدد المشاريع التي نفذها السوفييت في سورية (65) مشروعاً اقتصادياً.

والتعاون السياسي ثالثاً حيث دعمت السياسة السوفييتية الحق العربي دعما كبيراً، وأخيراً التعاون الثقافي فقد استقبل الاتحاد السوفييتي آلاف الطلاب السوريين ليدرسوا في جامعاته، وبالإجمال كانت العلاقات بين البلدين علاقات إستراتيجية واسعة المدى، متعددة الجوانب.

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي تراجعت هذه العلاقات زمن الرئيسين غورباتشوف ويلتسين، لكنها بعد عدة سنوات، وقبل أن يطوي القرن العشرين آخر سنواته، تم إحياؤها من جديد ثم تطويرها.

وابتدأ ذلك بحل مشكلة الديون التي كان حجم المتبقي منها على سورية حوالي (13) مليار دولار عند سقوط الاتحاد السوفييتي، فاتفق الطرفان على إلغاء (73%) منها، على أن تستثمر روسيا الباقي في سورية.

كما اتفقا على مضاعفة التبادل التجاري والسلعي بينهما، وبالفعل فقد وصل حجمه عام 2009 إلى ملياري دولار سنوياً، ووافقت الحكومة الروسية على الاستمرار بتزويد سورية بالأسلحة (الدفاعية فقط، على أن يدفع ثمنها كاملاَ دون التقيد بأية اتفاقية أخرى)، وبالمقابل وافقت سورية على تسهيل استخدام ميناء طرطوس من قبل القوات البحرية الروسية، وشعر الطرفان بأنهما استأنفا العلاقات السابقة.

في ضوء هذا لابد أن لزيارة الرئيس ميدفيديف لسورية قبل أيام أهدافاً تتجاوز هذه الجوانب من العلاقات بين البلدين التي تتطور تلقائياً ولا تواجه صعوبات ولا تحتاج لزيارة رئيس الدولة لتطويرها.

وربما كان على رأس أهداف الزيارة رغبة روسية باستئناف لعب دور عالمي، بعد تعافي روسيا وانتهاء مرحلة الانتقال من المرحلة السوفييتية إلى المرحلة الروسية، وتطلعها إلى لعب دور الدولة العظمى.

كما تقتضيه شروط السياسة الدولية، ولاشك أن المشاركة في حل الصراع العربي الإسرائيلي تصلح لأن تكون مفتاحاً للانطلاقة الروسية العالمية خارج مجالها الحيوي التقليدي، بعد نجاحها في القوقاز (جورجيا خاصة) وفي أوكرانيا وقيرغيزيا والجمهوريات السوفييتية السابقة.

فضلا عن أوروبا الشرقية (منع نصب الصواريخ في بولونيا وتشيكيا)، وبديهي أن الشراكة الجدية في تسوية الصراعات في الشرق الأوسط ستؤكد دور الدولة العظمى الذي تطمح إليه، خاصة بعد أن حيّدت السياسة الأميركية اللجنة الرباعية وخارطة الطريق، وبعد فشل مشروع عقد مؤتمر سلام في موسكو لحل مشكلة الشرق الأوسط.

أما من الجانب السوري فإن سورية تطمح بتزويدها بصواريخ وأسلحة متطورة، وبدعم روسي لسياستها تجاه القضايا الإقليمية الرئيسية، بما يشكل، في الوقت نفسه، رسالة للإدارة الأميركية وللدول الأوروبية التي مازالت تضغط على سورية.

كاتب سوري

odat-h@scs-net.org

طباعة Email
تعليقات

تعليقات