أمام حشد غفير من الإعلاميين والمثقفين في منتدى الإعلام العربي، ألقى الدكتور أحمد زويل الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1999م، خطاباً للأجيال القادمة، قال فيه بأن العالم اليوم يسعى للوصول إلى «النانو مِتر» أي لقياس مسافة طولها واحد على مليون متر.

كما أن وكالة الفضاء «ناسا» تسعى لإرسال شخص إلى المريخ في السنوات العشر المقبلة، ليس هذا فقط، بل إن تفكير العلماء اليوم متجه إلى إنشاء مراكز للإنسان على كواكب أخرى وإدارة الأرض من تلك الكواكب. ثم عرّج زويل على عالمنا العربي، وليته لم يفعل، فقال بأننا لازلنا نبحث في آليات جديدة لزراعة القمح وبيعه، وقمة طموحاتنا الصناعية العربية، هي تصنيع سيّارة.

تساءل زويل أمام الحضور قائلاً:»إلى أين يتّجه العالم، وما هو مصيرنا نحن العرب«. كانت المقارنات الذي ذكرها مؤلمة كالموت، بل إن الموت قد يكون راحة في بعض الأحيان.

فلا يكمن النجاح اليوم في بناء المستشفيات أو تشييد الطرق، على الرغم من أهمية هذه الأشياء، فالعالم اليوم بات يتحدث لغة جديدة، قديمها هو نزول الإنسان على سطح القمر. لقد تجاوز الإنسان حدود نفسه، وبدأ يسبق الوقت فعلاً، في حين أن شعوبنا الفقيرة لازالت تبحث عن الخبز وهي تسيطر على إحدى أخصب بلاد الله الواسعة.

المشكلة لا تكمن في أعمالنا، ولكنها في أحلامنا. فغالبية أحلامنا، كشعوب عربية، لا تتعدى دائرة الرزق، والستر، والعمل الصالح، وكأن التعلم والبحث والاطلاع وخوض التجارب عمل غير صالح! إن العقل العربي، في غالبيته، يراوح بين المناداة «بالانفتاح» وبين الصراخ للتمسك بالثوابت.

يعتقد البعض بأن الانفتاح هو أن يَثْمَل الإنسان العربي مثلما يثمل الأجنبي، ويطالب هؤلاء بحرية مطلقة لعرض كل شيء على التلفاز دون انضباط، صباحاً أو مساءً، مع العلم بأن الدول الغربية، التي ينادي هؤلاء الانفتاحيون بالاقتداء بها، تحدد ساعات معينة لعرض المشاهد الفاضحة، وذلك لكي لا يكون التلفاز معولاً لهدم قيم الأطفال وإفساد عقولهم.

ينادي بعض هؤلاء الانفتاحيين بالسماح للمرأة بلبس ما تشاء في أماكن العمل، حتى تحولت بعض المؤسسات في بلداننا العربية إلى أماكن تشبه مطاعم «هوترز» التي لا يعمل بها إلا نساء شبه عاريات، ويتجاهلون وجود نظام في الغرب، يضبط زي المرأة والرجل في أماكن العمل.

إن مفهوم بعضنا للانفتاح هو مفهوم سطحي وهامشي، ولا يعدو كونه ممارسات لا تؤصل لرؤية تنموية تقوم على قواعدها حضارة إنسانية حقيقية، فليس الانفتاح هو تعريب قناة «إم تي في» كما قال زويل، أو السماح ببيع المشروبات الكحولية في البقالات والجمعيات التعاونية، فهذه مجرّد «ممارسات» يومية تافهة لا تمت للتنمية البشرية بأية صلة.

أستغرب كيف يغفل هؤلاء، أو يتغافلون عن مفهوم الانفتاح الحقيقي الكامن في إيجاد قوانين وتشريعات ملزمة بدستور يتعهّد الجميع بحفظه وعدم تجاوزه، دستور يكفل حرية التعبير، والمشاركة السياسية لجميع أفراد المجتمع، ومحاربة الفساد والمحسوبية، وإصلاح القضاء واستقلاليته، وغير ذلك من قوانين وتشريعات إصلاحية.

وعلى الضفة الأخرى من النهر، تقف ثلّة أخرى لا هم لها إلا محاربة الانفتاح بكل مفاهيمه، الضحلة منها، والحقيقية العميقة، حيث تكمن وسيلة البعض منهم في إغراق الإعلام العربي بالبرامج الدينية، والفتاوى المستمرة على مدار الساعة، بدعوى إصلاح المجتمع، حتى يشعر الواحد منا بأنه ليس مسلماً إن لم يتّصل بأحد هذه البرامج مرة في الشهر على الأقل.

يقول زويل:»إن هناك انفلاتا في استخدام الدين على المحطات الفضائية العربية، فالبحث العلمي الذي يقوم به هو وزملاؤه على سبيل المثال، يمر بعد الانتهاء من إعداده على لجان متخصصة ومحكّمين ومقيّمين لكي ينشر في مجلّة علمية، أما الفتوى فإنها تصدّر إلى الناس في ثوانٍ معدودة، وهي أخطر في تأثيرها، في منطقتنا العربية، من البحوث العلمية«.

إن النسق الغالب للخطاب الديني الذي تجتاح سحابته جميع أصقاع العالم الإسلامي ليس نابعاً من الدين، ولكنه خليط منه ومن توجهات وأيديولوجيات جهات معينة وأناس معينين لتحقيق غايات محددة. فالخطاب الذي يحقّر الإنسان، ويسحق إبداعاته، ويقتل طموحاته، لا يمكنه أن يكون قد نزل من السماء، وإنما هي النفوس السوداء التي أحالت الخطاب من وسيلة إلى غاية.

تبرز المشكلة الكبرى عندما يتصالح بعض أفراد هذا الخطاب، ولو بشكل مؤقت، مع أفراد السلطة السياسية لقمع الحريات ومحاصرة الأراء النيرة التي لا هم لها إلا تحقيق تنمية إنسانية تسمو بالفرد، وتدفعه تجاه المستقبل.

فتجد بعض الفتاوى تنطلق من أفواه أصحابها كما ينطلق الرصاص من البندقية ليصيب مقتلاً، أو يشوه منظراً، في محاولة بائسة، ومحكوم عليها بالفشل، في خضم هذا الانفتاح التكنولوجي الذي جعل «الستلايت» سلعة أساسية كالخبز والحليب، وجعل الإنترنت أول شيء يطالب به الأبناء في غرفهم حالما يشّبون عن الطوق.

إلى أين نحن ذاهبون؟ ولماذا تدور قضايانا الملحّة حول حرمة الاختلاط أم جوازه، بينما تدور قضايا غيرنا حول تصنيع خلايا جذعية من بشرة الإنسان، لتساعده في التخلص من الأمراض الخبيثة، وربما من الشيخوخة يوماً ما؟

ولماذا ننظر إلى السماء لنطلب المغفرة فقط، وينظر غيرنا إلى السماء ليكتشف الكواكب والنجوم... والسؤال المهم هو، من منا سيحصل على الغفران حقاً، الذين يصعدون إلى السماء، أم الذين ينزلون في الأرض؟

كاتب إماراتي

yasser.hareb@gmail.com