لم يكن الرئيس الأميركي باراك أوباما يخشى خطباً جللاً في مبتدأ ولايته الأولى، خشيته الاصطدام باللوبي اليهودي الإسرائيلي. كان في ظنه أن يمضي في رحلة استنقاذ أميركا من أزمتها المالية الحادة، ثم يفرغ لرأب الصدع الذي ورثه مما سلف من أعمال المحافظين الجدد، لكن ما خشي منه وقع فيه على الجملة. كأنما القدر المكتوب لأوباما، هو العبور الدائم في سلسلة مفتوحة من الاختبارات.

وفي الشرق الأوسط على وجه الحصر، يبدو كأن حلقات هذه السلسلة لا تنتهي في الأمد المنظور، لكن القضية بالنسبة لأوباما ليست أصلاً في تكاثر الأزمات وتوالدها، وإنما بالضبط في الاستعصاء الذي يجعل أكثرها غير قابل للتسييل في مجاري التسويات المفترضة.

وإذا كانت المشكلتان العراقية والأفغانية قد دخلتا ضمن ما يسمى باستراتيجية إدارة التعقيد، فإن المشكلة الفلسطينية ـ الإسرائيلية تبدو مفارقة لتوقعات الإدارة الديمقراطية.

الذين عاينوا مخاطبات الرئيس الديمقراطي سحابة الشهور المنصرمة، بنوا على «تفاؤل الخطاب» طائفة من الفرضيات الاستراتيجية. أكثر هؤلاء ذهب مسافة في التفاؤل، ليقرّر أن الرئيس أوباما بلغ البيت الأبيض، وهو يتكئ مسبقاً على مراجعات معمَّقة لسياسة أميركا في الشرق الأوسط، وأن من أبرز المراجعات ما سبق وجاء في التقرير الشهير، الذي وضعه حول العراق وزيرا خارجية الولايات المتحدة الأسبقان بيكر وهاملتون، وعُرِف باسمها..

الخلاصات الإجمالية للتقرير، كما بات معلوماً، تضع العناوين المفترضة لبناء استراتيجية أميركية عليا، تعيد ترميم ما تصدّع في منظومة الأمن وتقنيات التحكم في الأزمات، بعد احتلال أفعانستان والعراق.

وبناء على هذه الخلاصات، راح عدد من «حكماء» الجمهوريين والديمقراطيين يتوجهون بالنصح للرئيس الجديد، وعلى رأس هؤلاء المفكر الاستراتيجي المعروف زبيغنيو بريجنسكي، قالوا له منذ الأيام الأولى، إن الموقف المتدهور الذي تعبره الولايات المتحدة الآن، سيحتاج إلى سنوات من العمل الجاد والخلاّق لإعادة الاعتبار لشرعية ومصداقية أميركا كقائدة للعالم. وذلك ما عنى بالنسبة لأوباما، ضرورة أن يلزم الواقعية الشديدة حيال جيو ـ استراتيجية شرق أوسطية، تكتظ بما لا حصر له من أسباب الانفجار.

هذا الانطباع المتفائل لم يلبث، بعد عام وبضعة شهور على الإدارة الديمقراطية، أن انعطف نحو وجهة معاكسة. فالذين تابعوا مخاطبات أوباما الايجابية حيال قضايا أميركا مع الإسلام، وحول أمن المنطقة، وتحولات الصراع العربي ـ الإسرائيلي، لم يجدوا إلى الآن ما يفضي إلى مشهد أميركي، يغاير ما كنا ألِفناه طيلة حقبتين متتاليين لإدارة الرئيس السابق جورج بوش.

في العراق وأفغانستان كما في فلسطين ولبنان، راح المشهد يستأنف سيرته الماضية. فلا شيء مما افترضته مخاطبات أوباما من استراتيجيات وحلول، أخذ سبيله إليالتحقُّق؛ فالثابت الإسرائيلي في التفكير الاستراتيجي الأميركي، عاد ليتخذ تموضعه كمعيار لإنتاج الموازين والمنظومات التي يتحدد في ضوئها نظام الأمن الإقليمي برمته.

أما مفردات القوة والعنف، فقد عادت لتحكم اللغة الإجمالية لاتجاهات الأمن والسياسة في المنطقة، حتى لكأن طيفَ المحافظين الجدد هو الساكن الفعلي للبيت الأبيض، أو هو الذي لا ينفك يقبض على رؤى واشنطن، واستراتيجياتها السياسية والأمنية في الشرق الأوسط.

لكن التساؤل الطويل العريض، يتكثَّف الآن حول ما إذا كان بمقدور الرئيس أوباما أن يبتني لنفسه مساراً مغايراً حيال أقواس الأزمات، غير الذي استورثه من المحافظين الجدد..

كيف له، مثلاً، أن يحفر مثل هذا المسار وهو يمضي بعيداً في خيار «فتنمة» أفغانستان؟ ذلك أن عملية إرسال آلاف الجنود إلى جبالها وسهولها البعيدة، لا تعدو كونها استئنافاً لحروب عجز المحافظون الجدد عن وضع حدٍّ لها. ثم على السيرة إياها في خيار «أسرلة فلسطين»، عبر التزام مبعوثه إلى المنطقة، جورج ميتشل، الخريطة التفصيلية لاستراتيجيات الحد الاقصى لحكومة نتنياهو.

ثمة من يراهن اليوم على الاحتدام بين تل ابيب وواشنطن حول حركة الاستيطان. ولا ريب أن في هذا الرهان بعض الجدية، وإن لن يبلغ حدود المس بثوابت العروة الوثقى الاميركية ـ الإسرائيلية. إنه تمرين آخر لأوباما، ويبقى السؤال عن نجاحه فيه قائماً..

باحث ورئيس تحرير «مدارات غربية»

mahmoudhaidar327@gmail.com