إحسان الإدارة والإدارة بالإحسان

إحسان الإدارة والإدارة بالإحسان

لا أدعي تخصصاً في أسس الإدارة، إلا أنني مارستها عبر رحلتي مع الحياة بأشكال متعددة وعلى مستويات مختلفة، ورأيت نماذج من البشر لم تنل حظاً وافراً من التعليم، لكن آتاهم الله قدراً كبيراً من العلم والمعرفة التي تراكمت من خلال تجاربهم في مدرسة الحياة، فقدموا نماذج راقية للقيادة الإدارية المتميزة، وحققوا نجاحات مذهلة شهد بها الجميع.

في ما أقاموه أو تولوه من مناصب في مؤسسات ومشاريع كبرت أو صغرت، ما جعلني أتساءل هل الإدارة علم أم فن؟ وإذا كانت فناً، فلماذا توضع لها القواعد المحددة لأسسها؟ ولماذا تدرس في المؤسسات والمعاهد العلمية؟ فالفن قائم في جانب كبير منه على الموهبة والاستعداد الفطري.

والفنون كما يقولون: جنون، وقواعدها قابلة دائماً للتغيير والتبديل، وإلا فقد صادرنا على كل مبدع أن يأتي بما هو جديد.. فما يرتضيه الناس ويستحسنونه في الفن والموسيقى والتصوير وغيرها يصبح قاعدة، وما لا يستحسنه كأنه لم يكن، ولا تكتب له الحياة.. لذا فأهل التمثيل يقولون: «القاعدة في الدراما كسر القاعدة»، بمعني أنه ليست هناك ثوابت غير قابلة للتغيير في العمل الإبداعي.

وفي تقديري أن الإدارة فن له أصول علمية، فالجانب الأكبر منها يتعلق بالقدرات والإمكانات الذاتية للفرد، التي يستطيع أن يصقلها بتحصيل الأسس العلمية، أو هي علوم في التحصيل وفنون في الأداء والممارسة.. فكثير منا يستطيع أن يكتسب مهارات إدارية يستطيع من خلالها أن يكون مديراً ناجحاً، إلا أنه من الصعوبة أن يصل كل دارس إلى مرحلة الإبداع الإداري الذي لا يكتسب، وإنما يقوم على موهبة تولد مع صاحبها.

فليس شرطاً أن يكون أستاذ الإدارة رجل أعمال ناجحاً، وأساتذة معاهد التمثيل هم في أغلبهم ممثلون مغمورون، وكثير من الإعلاميين النابهين ليسوا من خريجي كليات الإعلام، فالجوانب الإبداعية قواعدها مختلفة.

إن هناك بعض الجوانب الكفيلة بنجاح أية مؤسسة، قد يغفل بعضنا عنها.. وقد يرجع ذلك لقناعات خاطئة أو ثقافات مغلوطة تأصلت في نفوس البعض، أو لنقص في القدرات والطاقات النفسية الفردية والبعد عن عمل الفريق أو روح الجماعة، فالفردية في أغلبها مؤلمة، ونتائجها غير مأمونة العواقب.

فمهما بلغت قدرة الفرد وطاقته فهي محدودة، وقوته تأتي من قوة الجماعة التي ينتمي إليها، وكل من استطاعوا تحقيق قدر من التميز والنجاح في حياتهم، استندت تجربتهم إلى روح الفريق باعتبارها حجر الزاوية، حتى عند حديثهم عما أنجزوه لا تجد لكلمة (الأنا) مكاناً، ولكن صيغة الجمع هي الغالبة..

ولقد أخبرنا رسولنا الكريم في حديثه الشريف، أن اثنين خير من واحد، وثلاثة خير من اثنين، وأن يد الله مع الجماعة، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.. في دعوة صريحة إلى ارتكاز كل ما نقوم به على ثقافة العقل الجماعي، بعيداً عن الفردية المهلكة.

إن وجود الحافز دافع أساسي لإنجاز أية مهمة موكلة للفرد، وتنعكس قوة وقدر الحافز على مدى الإجادة والحماس والإخلاص، ولا يتوقف الحافز فقط على الجوانب المادية - رغم أهميتها -، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أعط الأجير حقه قبل أن يجف عرقه»..

إلا أن شكر الناس على ما قاموا به، له وقع طيب في نفوسهم، حتى وإن كان من صميم واجبهم الذي يتقاضون عنه رواتبهم. فمجرد الأجر لا ينتج ضميراً مهنياً حياً ولا إخلاصاً، والله عز وجل يقول: ؟ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون؟، والحديث الشريف يخبرنا «من لم يشكر الناس لا يشكر الله».. إنها دعوة لغرس الكلمة الطيبة التي نتاجها شجرة طيبة من العلاقات الإنسانية داخل المؤسسة، وأُكلها عمل مبدع تعم فائدته على الجميع.

إن بعث روح المبادرة وإطلاق العنان لقدرات العاملين العقلية، وتشجيعهم على الخروج عن الاختيار بين البدائل بتقديم حلول غير تقليدية لما يواجههم من عقبات، لهو من صميم نجاح أي مشروع مؤسسي، على أن يرسخ في نفوسهم الإحساس بالأمان إذا ما صادف أطروحاتهم الفشل. فمن اجتهد فأصاب له أجران، ومن اجتهد فأخطأ له أجر.. يكفي أنه نال شرف المحاولة، وألا يقابل ذلك بالعقاب والبطش، فالخوف والتسلط والقهر تصنع عبيداً لا مبدعين.

إن تقييم أداء الأفراد يساعد الإدارة على وضع كل فرد في المكان الذي يناسبه ويتلاءم مع ما يمتلكه من إمكانات نفسية وتقنية، كما يمكّنها من وضعه في المكان الذي يناسبه، حيث إن الاختلافات والفروق بين الأفراد ظاهرة موجودة، سواء في الخصائص الجسدية أو السمات العقلية.

ومن الأهمية بمكان ألا يُكتفى في هذا التقييم بالجوانب الشكلية فقط الخاصة بعدد ساعات العمل، ولكن أن تكون الغلبة للتقييم قائمة على اعتبارات تتعلق بأهمية مساهمة الفرد في الارتقاء بالمؤسسة، ومساهمته في العملية الإنتاجية، ومدى ما قدمه من أفكار إبداعية وحلول للمشكلات التي تواجهها.

إن معيار الكفاءة والقدرة هو المعيار الأصوب في ترتيب السلم الإداري في أية مؤسسة، وبداية النهاية لأية مؤسسة هي ألا يكون الشخص المناسب في المكان المناسب، أو يسند الأمر إلى غير أهله، فحسن النية وحده لا يكفي..

والشاهد ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، حينما قال له أبو ذر: يارسول الله، ألا تستعملني؟ فرفض الرسول، رغم أن أبا ذر صحابي جليل، قائلاً: «يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة لخزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها».. لأن لكل وظيفة تكاليفها التي تتطلب توافر مؤهلات تعين صاحبها على القيام بواجباتها.

إن الصرامة التي يتطلبها نجاح العمل الإداري، لا تحول دون الاهتمام بالعلاقات الإنسانية وحالة العاملين النفسية ومعاملتهم برحمة ورفق كبشر لهم كرامة، فكلكم لآدم وآدم من تراب، والرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه.. لذا فمن أهم مقومات إحسان العمل الإداري، هو الإدارة بالإحسان.

عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا

Dralkhaja@gmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات