يحتفل كثير من المنظمات التابعة للأمم المتحدة بمناسبات عديدة ومختلفة، وتتفق على هدف واحد وغاية نبيلة من وراء احتفالياتها السنوية، لأنها تضع أهدافاً محددة الملامح تسعى لتحقيقها وبثها في نفوس المجتمعات الدولية، على اختلاف لغاتها ودياناتها وأنظمتها السياسية.
ومؤخراً، احتفل العالم بيوم الصحة الذي حددته منظمة الصحة العالمية في الفترة من السابع وحتى الحادي عشر من شهر إبريل الماضي، وربما لمس بعض المهتمين مشاركة الدولة في هذا اليوم من خلال شعار «الصحة والتحضر»، وتوازى بعضهم الآخر مع هذه الاحتفالية، بالمشاركة في البرنامج الذي وضعته وزارة الصحة، والذي تخللته إقامة العديد من المخيمات في مختلف إمارات الدولة، لتقديم خدمات الفحص المجاني لبعض الامراض، كالسكري والضغط والكولسترول.
ولعل الحملة العالمية استهدفت من خلال شعارها لهذه السنة، أن تخلق بيئة صحية تقوم على توفير نمط معيشي مختلف في بعض المدن، يركز على مفهوم التحضر الذي طال العديد من الدول عبر انتشار المدن الحضرية على حساب المساحات الخضراء، وبعيداً عن الريف أو الصحراء التي تشكل رئة الحياة.
فقامت الحملة العالمية بدعوة كثير من الدول لغلق المدن أمام المركبات ذات المحرّكات، ومنح المواطنين مكاناً عاماً جديداً لممارسة النشاط البدني، وفسح المجال أمامهم لتجديد لقاءاتهم بأسرهم وأصدقائهم وأفراد مجتمعهم، بعيداً عن ضوضاء المدن، ويسرت في الوقت ذاته إجراء فحوصات صحية مجانية وتناول أغذية محلية صحية، أو زيارة المعالم المحلية.
وكانت منظمة الصحة قد حرصت على مشاركة ألف مدينة على مستوى العالم في برنامجها العالمي، والذي حمل شعار «1000 مدينة، 1000 حياة».
وبعيداً عن جو الاحتفالات العالمية التي تحاول أن تربط المجتمع الدولي بالمنظمات المختلفة، ولا سيما منظمة الصحة العالمية، فإن الصحة كمفهوم مهم في حياتنا يجب ألا يقف عند يوم أو أسبوع فقط، بل لا بد أن يستشعر المواطن أهمية صحته على مدار اليوم والسنة، لأن التفريط في الاهتمام بصحة الفرد يكاد يشعر الإنسان بأنه يقف في طابور منتظراً دوره في الإصابة بأحد الأمراض السارية، التي لم تنجح حتى الآن خطة وزارية ولا لجان صحية، في التصدي لبعضها، بحيث أصبحت تشكل قلقاً أمنياً على مستقبل الأجيال.
وحتى اللحظة لم نسمع عن تراجعات في نسب الإصابة بأمراض القلب أو الضغط أو السكري، نتيجة الخطط الصحية التي وضعتها وزارة الصحة في الدولة. وإذا أردنا تكبير دائرة الخطر، فإن مستوى تراجع الصحة على مستوى دول الخليج بلغ نسباً مخيفة، خاصة في بعض الأمراض التي لا يوجد لها علاج معروف حتى الآن.
ففي مارس الماضي كشف أطباء مشاركون في المؤتمر الأول الذي عقد في أبوظبي لمناقشة أمراض القلب والأوعية الدموية، عن حقيقة مفزعة تعترف بأن 90% من البالغين في دول الخليج العربي، لديهم عامل خطورة محفز للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. وأرجع الأطباء هذه النسبة إلى نمط الحياة التي يعيشها سكان هذه المنطقة؛ من الاعتماد على الوجبات الغذائية السريعة، حيث يتناول 50% من العائلات في الدولة هذا النوع من الوجبات بمعدل 43 مرات خلال الأسبوع، إضافة إلى قلة الإقبال على ممارسة الرياضة.
وأشارت آخر دراسة أجريت عام 2004 وشملت 32 ألف شخص من 52 دولة، إلى وجود تسعة عوامل خطرة للإصابة بأمراض الأوعية الدموية وأمراض القلب، أبرزها اختلال الكولسترول، ومرض السكري غير المعالج، وارتفاع ضغط الدم، إضافة إلى السمنة والضغط العصبي. وإذا تعمقنا في الأسباب الحقيقية لهذه الأمراض التي عبرت القارات وتركزت في دولنا الخليجية، سنجد أننا ضحايا لسوق تروج فيه السلع الفاسدة، وتحت شعارات براقة ومشجعة للاستهلاك.
ومن أسف أن نجد مستوى الوعي لدى الأسر والعائلات والأفراد، لا يتوازى مع مستوى الأخطار المحدقة بمستقبلهم الصحي. ولعل القصور لا يعود للفرد نفسه، بقدر ما تشترك فيه سياسات الدول التي تظل غير ملبية لطموحات التغيير المطلوب، فالوعي الغذائي هو المنطلق لعلاج كثير من الأمراض.
بعيداً عن ترف أفكار المنظمات الصحية التي نود لو تبنّت الملفات الحقيقية للمشاكل الصحية، ووضعت خطة استراتيجية لمحاربة المطاعم السريعة على مستوى العالم، فلربما وصلنا إلى اليوم الذي تتغير فيه مفاهيم الربح والمكسب لهذه المطاعم، من خلال تقديمها وجبات صحية خالية من الشحوم والأكسدة والغش التجاري.
ولكن قطار سلسلة محلات الوجبات السريعة، لا يزال متقدماً على هذه الأفكار التي تنتشل كثيراً من البشر من براثن المرض! وفي دولتنا الحبيبة تزدهر هذه المشروعات القاتلة، فمع افتتاح محطة للبترول لا بد أن يواكبها مطعم لهذه الوجبات، فماذا يملك الأب أو الأم أمام المغريات التي تحيط بالصغار أينما يمموا وجوههم وجدوها أمامهم؟ فبعض العائلات التي تعي هذه المأساة، تجد نفسها أمام صعوبة الاستمرار والموج الأعظم من تردي حال المطاعم يبتلع إرادتها، خاصة وأن البديل مفقود، فكيف يمكن أن تحقق المعادلة الصعبة في ظل عدم توازن صارخ؟!
إن القضاء على المرض لا بد أن يسبقه قضاء على مسبباته، فالسكري بدأ ينخر عظام جميع فئات المجتمع، وكم من بيت أصبح مكلوماً في عزيز والسبب هو هذا الداء، والفاجعة الأكبر ارتفاع نسبة الإصابة بالسكري بين الأطفال، مما يهدد مستقبل القوى العاملة في الدولة.. فلا ندري هل نحن بحاجة إلى قانون طوارئ صحي، أم أن القلق لم يصل مداه بعد كي ننهض بخطة شاملة تسمي الأشياء بأسمائها، بعيداً عن التوعية الشكلية التي لا تقدم ولا تؤخر؟!
كاتبة إماراتية
m.alemarat@gmail.com