ستبقى هذه الشهادة مجروحة في مكان انتميت إليه، أضاف إليّ الكثير الذي يتجاوز الوظيفة، فتح لي نافذة مع القراء وهموم الشارع، وضعني في بؤرة الأحداث، جعلني أشعر بوجودي ومع زملاء هم أسرتي.

هذه هي «البيان»، مكان وظيفتي، القلعة التي لا تنام. من الصعب اختصار العلاقة ب«البيان» وأسرتها في كلمات وسطور معدودة، من الصعب اختصار أكثر 16 عاماً بلياليها ونهاراتها، في جملة تحتفي بمرور 30 عاماً على هذا الصرح الإعلامي، لكن في مثل هذا اليوم يصعب الصمت أيضاً، يصعب تأمل المشهد من على البعد.. كل ما يحضرني هو اليوم الأول الذي قادتني فيه أقدامي إلى مقر «البيان»، الصحيفة التي كنت أقرأها من على البعد مثل أي قارئ لا ينتمي إلا لسطورها وصفحاتها..

أتذكر ذلك اليوم، أتذكر ابتسامات الترحيب، أتذكر هذه الجملة «قدم الطلب، وسنقوم بالاتصال بك»، ولكن ليس كعادة المؤسسات التي تتهرب من طالبي الوظائف. فعلاً بعد أقل من أسبوع، جاءني الاتصال، ومنذ ذلك اليوم وجدت نفسي وسط خلية النحل..

ثاني جملة كانت «ستبدأ الصحافة من أساسها، ثم تتدرج، شد حيلك»..ثم انطلقت المسيرة، أيام تتلوها أيام، أتلمس فيها اتجاهات الصحيفة، صحيفة تذهب في الشفافية إلى أقصاها، ليست مؤدلجة ولا مؤطرة بفكر منحاز، وليست لديها أهداف وغايات، سوى أهداف وغايات النهوض بالمجتمع ومؤسساته، وتبني رؤى الوحدة بعيون دبي الطموحة، الانفتاح على قضايا الشعوب والعالم بالتساوي، السياسي، والشاعر، والمرأة، والرجل، والطفل، التاجر والفقير، السائح والمقيم..

«صحيفتنا لجميع فئات الناس، لجميع فئات القراء» هذا هو الدرس الثالث، «اكتب لتفهمك الشرائح كلها»..هادئة «البيان» في تعاطيها مع الحقائق والأحداث، حتى وهي تقول رأيها المقاوم للظلم والاستبداد، وتتصدى للمعضلات، أسلوب مترو، بلا تشنجات، وبلا انحياز لجهة. وأجمل ما في «البيان» أنها بقيت قريبة من المرأة والطفل، مثلما واصلت خطها في دعم الثقافة والمبدعين، وكانت لها نافذة على القراء أسهمت في دعم إبداعاتهم.. ثلاثون عاماً..

منها أكثر من 16 عاماً انكشفت لي من خلال التعايش والعمل في دهاليز «البيان»، بين سياسة إدارية ثابتة وراكزة وغير متوترة، وبين أساتذة تلقيت على أيديهم دروساً مفيدة، وبين زملاء شركاء مخلصين في العمل..واليوم، «البيان» واحدة من المؤسسات الإعلامية الرائدة، حافظت على اتزانها، على الرغم من الأحداث العاصفة التي مرت بها المنطقة والعالم، تطورت مع تطور مفهوم الإعلام الحديث، تواكب تقنيات العصر، تضع نفسها على خارطة الصحافة العالمية، كبرت، اتسعت..

يغمرني الفرح لكل هذا، يغمرني الفرح لأنني أنتمي لكل هذا، يغمرني الفرح وأنا أطفئ معها الشموع الثلاثين.. بمزيد من الألق والتألق.

mhalyan@albayan.a