إن المحنة التي تمر بها الآن، القومية العربية، وحركة التوحيد العربي، تعود بلا شك، إلى حد كبير، إلى الضعف الذي أصاب الدولة المصرية، وتدهور مركزها في العالم العربي، كما تعود إلى الضعف الذي أصاب ما تشعر به شريحة واسعة من الطبقة الوسطى العربية، من ولاء وانتماء لأمة أوسع من دائرة الدولة الصغيرة التي تنتسب إليها.
ومع ذلك فإني أعلق أهمية أكبر بكثير على دور العوامل الخارجية، في المحنة الراهنة التي تمر بها القومية العربية. بل إن ما يمكن تسميته بعوامل داخلية، أي تتعلق بما يحدث داخل العالم العربي نفسه، لا يمكن فهمه إلا بفهم بعض العوامل الخارجية.
فالتدهور في مركز مصر النسبي (وهو ما تناولته في مقال سابق بهذه الجريدة)، بدأ بهزيمة مصر في حرب 1967، وهي في الواقع اعتداء خارجي أكثر من كونها حرباً حقيقية.
وضعف الولاء للقومية العربية الذي أصاب شرائح واسعة من الطبقة الوسطى العربية، يعود إلى حد كبير إلى ما طبقته الدول العربية من سياسات الانفتاح على الغرب، في أعقاب هذا الاعتداء. وهي سياسات كانت في رأيي نتيجة ضغوط خارجية، أكثر من كونها اختياراً حراً من جانب السياسيين العرب.
ولكن مسؤولية العوامل الخارجية في إضعاف القومية العربية اتخذت أيضاً، خلال الأربعين عاماً الماضية، شكل سياسات وإجراءات متعمدة، من جانب قوى خارجية بقصد إضعاف المشروع العربي. وأقصد بهذه القوى بالطبع، وعلى وجه الخصوص، إسرائيل والولايات المتحدة.
فمن اللافت للنظر كيف تحوّل وجود إسرائيل في داخل العالم العربي، من عامل موحّد للعرب منذ إنشاء هذه الدولة عام 1948، وحتى حرب 1967، إلى عامل مفرق ومشتت للعرب بعد حدوث هزيمة 1967.
كان غرس الدولة الإسرائيلية في العالم العربي في 1948، بمثابة دخول الشوكة المسمومة في الجسم العربي. وطوال العشرين عاماً التالية لم يفقد العرب الأمل في قدرتهم على انتزاع هذه الشوكة من جسمهم، وكان اجتماعهم على تأييد عبدالناصر والسير وراءه، ناتجاً إلى حد كبير عن هذا الأمل.
تغيّر الأمر بصورة مأساوية بوقوع هزيمة 1967، إذ أخذ اليأس يحل بالتدريج محل الأمل، وأغرى ذلك جزءاً بعد آخر من أجزاء العالم العربي، بالبحث عن آمال وطموحات أخرى، بعيدة الصلة عن تحقيق مشروع النهضة العربية، والتوحيد العربي.
كان هجوم صدام حسين على الكويت عام 1990، عاملاً مهماً في نشر مزيد من اليأس والإحباط بين المؤمنين بالقومية العربية، إذ حتى هؤلاء الذين رأوا في هذا الهجوم بصيص أمل في توحيد العرب، سرعان ما رأوا الأمر على حقيقته عندما أدركوا أن المستفيد الوحيد منه كان إسرائيل والولايات المتحدة، وأن هذا الهجوم ترك أثراً بالغ السوء على أمل العرب في الوحدة، وخاصة لدى سكان دول الخليج.
ما أن انتهت حرب الخليج حتى رفع شعار «الشرق أوسطية»، وهو مشروع إسرائيلي أميركي يهدف إلى القضاء إلى غير رجعة على مشروع القومية العربية، وإحلال مشروع جديد محله، يقوم فيه العرب بدور التابع، سياسياً واقتصادياً، للدولة الإسرائيلية، وتحل فيه محل الهوية العربية، هوية تسمى الشرق أوسطية، أو بالأحرى هويات متعددة لا يجمعها إلا خدمة الأهداف الإسرائيلية.
وقد لعبت وسائل الإعلام، وما زالت تلعب دوراً مهماً في خدمة المشروع الجديد، بما في ذلك للأسف، كثير من وسائل الإعلام العربية.
كان من الممكن أن يأمل المرء في أن يؤدي تيار العولمة، الذي ازداد قوة خلال الأربعين عاماً الماضية، إلى تقريب الدول العربية بعضها من بعض، وتقوية درجة الالتحام بين الشعوب العربية، كما يؤدي إلى تقويتها بين شعوب العالم بأسره.
ولكن المذهل أن نجد أن العولمة، وإن كانت قد سهلت الاتصال المادي بين أجزاء العالم العربي، وزادت من تنقل العمالة والسلع فيما بينها، ومن تسهيل نقل المعلومات بين بلد عربي وآخر، لم تساهم بأي درجة تذكر في تقوية الروابط الفكرية أو العاطفية بين الشعوب العربية.
بل حتى في ما يتعلق بالمعلومات، فإني أقارن اليوم بين كمية الأخبار والمعلومات التي تنشرها الصحف المصرية عما يجري في سوريا مثلاً أو السودان أو المغرب أو تونس، وما كنا نقرأه من أخبار هذه الدول في صباي وشبابي، فألاحظ تدهوراً مدهشاً، يزيد من الدهشة له السهولة التي يمكن بها نقل الأخبار والمعلومات من مكان لآخر في عصر العولمة.
لا يمكن أن نفسر ذلك بمجرد الخطأ أو قلة الكفاءة، إذ لا بد أن يكون نتيجة لسياسات متعمدة للتفريق والتشتيت، بالإضافة إلى ضعف الهمة وقلة المبالاة ببذل الجهد اللازم للخروج من هذه المحنة.
على الرغم من كل هذه الأسباب الداعية للتشاؤم، لا أعتقد أن الوضع خال تماماً من دواعي الأمل في مستقبل أفضل للقومية العربية، سواء في ذلك الوضع الداخلي في العالم العربي، أو في العالم ككل.. ولكن هذا يحتاج لتفصيل أكثر في مقال آخر.
كاتب ومفكر مصري
sgsaafan@aucegypt.edu
