نصبت الولايات المتحدة الأميركية نفسها «شرطياً» مسؤولاً عن أمن أوروبا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وشكلت من أجل هذه المهمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي تشارك فيه دول أوروبا بينما تحتفظ واشنطن لنفسها بالنصيب الأكبر من القوات والقيادات، وقد ظن الأوروبيون في البداية أن هذا الأمر سيوفر عليهم الكثير من الجهد والمال ويضمن لهم الأمن والاستقرار ويجعلهم يتفرغون للتنمية الاقتصادية.
لكنهم فوجئوا بعد نهاية الحرب العالمية بقليل باندلاع حرب جديدة طويلة الأمد كلفتهم أكثر بكثير مما كلفتهم الحرب العالمية، إنها الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي بزعامة موسكو والرأسمالي بزعامة واشنطن، فقد نجحت واشنطن في إقناع الأوروبيين وغيرهم من الكثير من دول العالم بأن الخطر الشيوعي السوفييتي لا يقل عن الخطر النازي.
بل يفوقه خطورة في غزو العقول وخرق حقوق الإنسان والقضاء على قيم الحرية والديمقراطية التي بنى عليها الغرب مجتمعاته وحضاراته، وبناءً عليه كان على الجميع أن يتكاتف ويتحد تحت قيادة واشنطن لمواجهة هذا الخطر الأحمر الجديد، وبدأت عسكرة أوروبا ونشر القواعد العسكرية الأميركية في كل مكان.
وراجت أسواق السلاح الأميركي الذي كان يفرض على الدول فرضاً بحجة التحصن ضد الخطر الشيوعي، وعلى الجانب الآخر من الأطلسي كانت خزائن المجمع الصناعي الحربي الأميركي تمتلئ وتنتفخ بعائدات السلاح المباع في كل أنحاء العالم الرأسمالي.
وجاء انهيار الاتحاد السوفييتي في مطلع تسعينات القرن الماضي وانهيار المعسكر الاشتراكي ليضع الولايات المتحدة في ورطة كبيرة، فقد زال التهديد والخطر الذي كان يبرر الهيمنة العسكرية الأميركية في أوروبا، ولم يعد هناك حاجة لمزيد من الإنفاق العسكري في أوروبا، ولم تعد هناك أيضاً حاجة ملحة لوجود حلف شمال الأطلسي الذي كانت مهمته الأساسية.
وربما الوحيدة، هي حماية أوروبا من الخطر الشيوعي، وفكر الأوروبيون في تحويل حلف الناتو إلى منظمة سياسية للتنسيق والتشاور، ولكن واشنطن رفضت هذا الأمر تماماً لأنه يعني انتهاء حاجة الأوروبيين لشراء السلاح ولوجود القواعد العسكرية الأميركية على أراضيهم، الأمر الذي يعني فقدان واشنطن لهيمنتها في أوروبا.
ولم تفلح أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 في إقناع الأوروبيين بالخطر الجديد الذي أطلقت عليه واشنطن اسم «الإرهاب الدولي»، وجاءت الحربان في العراق وأفغانستان لتزيد من قناعة الأوروبيين بأن الحليف الأطلسي الذي نصب نفسه شرطياً عليهم منذ نصف قرن مضى أصبح يشكل عبئاً كبيراً عليهم، وقد تكرس هذا أكثر بعد تفاقم الأوضاع في أفغانستان.
وبعد أن اكتشف الأوروبيون خدع وأكاذيب واشنطن حول أسلحة الدمار الشامل في العراق، وبدأ يتردد في الأوساط الرسمية الأوروبية، خاصة في دول أوروبا الكبيرة، سؤال حول إمكانية الاستغناء عن الولايات المتحدة في مسألة الأمن الأوروبي، وذهب البعض إلى حد التفكير في تأسيس جيش أوروبي مشترك في إطار الاتحاد الأوروبي يتولى مهام الأمن في أوروبا ليكون بديلاً لحلف شمال الأطلسي.
وأعلن وزير الخارجية الإيطالي فرانكو فراتيني أن بلاده ستقدم اقتراحاً يدعو إلى إنشاء جيش أوروبي موحد إلى قادة دول الاتحاد الأوروبي. وأكدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على وجود فكرة إنشاء الجيش الأوروبي الموحد في عام 2007. ثم دعا الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في عام 2008 إلى إنشاء هيئة لإدارة عمليات الاتحاد الأوروبي العسكرية.
ولم يدخل أي جيش أوروبي موحد إلى حيز الوجود حتى الآن، إلا أن وزير الخارجية الإيطالي فراتيني يرى أن التطورات التي تشهدها الساحة الدولية، وبالأخص انشغال الولايات المتحدة عن الأمن الأوروبي بصراعات ونزاعات وحروب بعيدة عن أوروبا تستوجب الإسراع بإيجاد جيش أوروبي موحد.
ويرى الخبراء والمراقبون أن القوات الأوروبية الموحدة المزمع إنشاؤها ستحل محل حلف شمال الأطلسي لأن الأوروبيين لا يستطيعون تغطية نفقات «مؤسستين عسكريتين في آن واحد».
ومن المؤكد أن الجيش الأوروبي الموحد المرتقب لن يشكل خطراً على روسيا، في الوقت الذي أصبحت روسيا بالفعل جزءاً لا يتجزأ من أوروبا، خاصة في النواحي الاقتصادية، الأمر الذي لا يستبعد معه دعوة الأوروبيين لروسيا مستقبلاً للمشاركة في هذا الجيش، لكن المؤكد أنه لن يكون هناك مكان للولايات المتحدة في هذا الجيش.
كاتب روسي
Luon1935@kin.ru