هناك ما يقارب 975 .10 يوماً خلف هذا العدد الذي بين يديك.إنه عمر جريدة البيان على مدى 30 عاما. وهو عمر لا شك طويل قضاه صحفيوها في الجري خلف الخبر، وعمر طويل من الكلمات التي خطتها أيدي محرريها، وعمر طويل من عملية الصف والتصحيح والرسم والتصوير والتبويب والتلوين والتنظيم والترقيم والمراجعة.

يا ترى كم كلمة كتبت على صفحات جريدة البيان منذ يوم صدورها؟ وكم رقم؟ وكم خبر؟ وكم صورة؟ وكم لقاء؟

يا ترى كم طن من الأوراق استهلكتها صحيفة البيان منذ 10 مايو 1980 حتى هذا العدد الذي بين يديك؟ وكم قارئ تصفح أوراقها التي بدأت بالأصفر المائل للحمرة إلى الأبيض الناصع كالثلج؟ وكم طن من الأصباغ؟

أرقام وأرقام مهولة لكي تصل إلى قارئها الكلمة والكلمة الخبر والخبر غير المتوقع والمدهش والمحلي والعالمي والاقتصادي والعلمي والثقافي والرياضي والفني والخبر السار والخبر المحزن والخبر العاجل والخبر المتواري والمقالة والتحليل والنقد والرأي؟

أنت تقرأ صحيفتك مع ارتشاف فنجان قهوتك كل صباح: في حديقة بيتك، على مكتبك، في سيارتك، في انتظار سيارة الأجرة، وأنت تدخن، وأنت تتحدث مع زميلك، وأنت في الطائرة، وأنت في انتظار طبيبك، وأنت في انتظار مقابلة مسؤول. ولكنك لا تدرك مدى وكمية الجهد الضخم المبذول خلف الكواليس لكي تصلك هذه الصفحات التي بين يديك.

لا تدرك مدى الرعب والقلق المستمر الذي يعاني منه كل مسؤول في مكانه في هذه الصحيفة من رئيس تحريرها إلى محررها إلى طابعها إلى موزعها كي تخرج إلى الدنيا كما يخرج الطفل من أحشاء أمه. هناك من لا ينام الليل وهناك من لا يرى أهله وأطفاله، وهناك من لا يعرف الراحة كي تصلك صحيفتك كاملة موثقة منمقة وأنت مازلت مستلقيا في سريريك الوثير في إحدى أفخم فنادق الدولة.

ثلاثون عاما من العمل الدقيق والمقلق. هكذا عملت صحيفة البيان على لعب دورها بين الصحف المحلية أولا، وصحف المنطقة ثانيا وصحف العالم ثالثا، على نشر الخبر وتعميم المعلومة وتوسيع دائرة الثقافة. ولم تقف مكممة الفم عندما يكون حق المواطن مهضوما، وحق العرب مهدورا وحق البشرية مهددا.

فدافعت عن المواطن، ووقفت موقفا مشرفا من قضايا الأمة وجعلت من الإنسان أينما كان القيمة العليا في الحياة.وبينما كانت الصحف الأخرى تنشر الخبر المثير بغرض الإثارة حتى قبل أن تتحرى صحته، كانت صحيفة البيان تتحرى الدقة وتعيد الكلمة وتدير الرأي حتى تنفع الجميع ولا تضر أحدا وتحمل مجمل الخبر وليس مجرد الخبر.

وهذا المبدأ كان ينطبق على الخبر السياسي كما هو الحال على الخبر الاجتماعي والثقافي والمحلي. ولذلك عرفت جريدة البيان على مدى عمرها بالصدق فتعمقت مصداقيتها لدى قرائها.

ومن هنا تميزت هذه الصحيفة القديرة بالموضوعية والحيادية والدقة والرصانة. وهذه شهادة لا يتم الحصول عليها لا بالمجان ولا بالشراء. ولكن بالجهد والعمل والتنسيق والتخطيط المستمر.

إن الصحف تلعب دورا لا يمكن تجاهله في رقي الأمم وتقدمها وتحضرها. فإذا كنت تعرف الشخص من كلامه فإنك تعرف الشعوب من صحفها. وهي كالمرآة تعكس تاريخ الشعوب في طريقة تفكيرها، ومدى تحضرها.

فعندما نحتفل بالعيد الثلاثين لصحيفة رائدة كصحيفة البيان، فما هو إلا تعزيز للسلطة الرابعة التي خدمت قرائها على مدى هذه السنوات في كافة المجالات دون كلل أو ملل. وأصبح لها كتابها وصحافيوها ومحللوها في جهة. وأصبح لها في الجهة الثانية قراؤها ومتابعوها ومحبوها ليشكلوا معا وجهي العملة المقروءة.

تميزت البيان بالصراحة والوضوح والجرأة في تناول المواضيع الحساسة، وعلى مدى السنوات الخمس التي بدأت أكتب بها مشاركا الزملاء في هذا العمل الصحفي المضني، لم أجد من المسؤولين فيها إلا كل دعم، وعدم تدخل في تحريف أو تغيير أو تعديل المقالات التي أكتبها أيا كان موضوعها أو مضمونها.

ورغم أنني أعطيت الضوء الأخضر لرئيس التحرير بالتدخل دون استشارتي في حذف أي فقرة قد تثير تساؤلا هنا أو هناك، إلا أنه منحنى الثقة الكاملة أولا، والحرية التامة ثانيا. فأصبحت أكتب دون أن أنظر إلى من يقف خلفي يراقب ما أكتب وما أسطر. وحيث إننا في بلد منح هذه الثقة الغالية لكتابه ومثقفيه لذا أصبحت سيد نفسي وسيد قلمي، فكنت أنا الكاتب وأنا مقص الرقيب.

لذا عملت أنا وزملائي على مدى هذه السنين بكل طمأنينة يفتقر إليها معظم كتاب العالم العربي. إن تعليمات القائمين على هذا البلد كانت: امنحوا الكاتب حرية قلمه، لأنه العين التي بها نرى والأذن التي بها نسمع واللسان الذي به نتحدث.

نتمنى أن يكون الاحتفال بالعيد الثلاثين لهذه الصحيفة الغراء خطوة أخرى للأمام في مجال التعبير وحرية الكلمة وجسر التواصل بين طبقات المجتمع.

وكل عام والبيان بخير.جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com