سباق الحرب «والسلم» طلال عوكل

سباق الحرب «والسلم»

نجحت الإدارة الأميركية أخيراً في إقناع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي بخوض غمار مفاوضات غير مباشرة تستمر لأربعة أشهر، تتوقع خلالها أطراف عديدة أن يتم إنضاج إطار ومعالم تسوية يمكن أن تنقل إلى مفاوضات علنية مباشرة، تريد لها الولايات المتحدة أن تثمر حلاً خلال سنتين.

لتجاوز عقبة النشاطات الاستيطانية كان على السلطة الفلسطينية أن تذهب إلى لجنة المتابعة العربية، التي تشكل غطاءً مناسباً وضرورياً للموقف الفلسطيني، غير أن هذا الغطاء على أهمية لم يكن لوحده ليبرر للسلطة القبول بالمفاوضات غير المباشرة من دون خطوة ما تراجعية من قبل إسرائيل تضمنها الولايات المتحدة.

لجنة المتابعة العربية التي عقدت اجتماعاً لها على مستوى وزراء الخارجية العرب في القاهرة الأول من هذا الشهر، باتت واقعياً تشكل القيادة العربية العملياتية التي تدير كل ما يتصل بعملية السلام، والملجأ الذي تتحصن به السلطة الفلسطينية في ظل انقسام فلسطيني يضعفها وفي ظل تطرف السياسة الإسرائيلية، والميل الدائم لدى الإدارة الأميركية لممارسة الضغط على الطرف الضعيف، كلما استعصى عليها إدارة العجلة.

المفاوضات غير المباشرة تبدأ مع جولة جورج ميتشل التي بدأت الأسبوع الماضي وتستغرق أسبوعاً، لكن هذه المفاوضات تبقى مهددة، بطبيعة الممارسات الإسرائيلية التي يقوم بها المستوطنون تارةً والجيش تارةً أخرى، وحتى يبقى الفلسطينيون تحت طائلة الضغط، إلى أن تصدر عنهم، ردود أفعال تعتبرها إسرائيل مسؤولة عن تعطيل المفاوضات.

قبل أن تبدأ المفاوضات غير المباشرة وفي يوم وصول ميتشل كان المستوطنون قد أحرقوا مسجداً في قرية اللبن الشرقية بين مدينتي نابلس ورام الله، وبالتزامن قام الجيش بإحراق مسجد في قرية الدهينية شرق مدينة رفح في قطاع غزة.

على أن الفلسطينيين الذين يدركون حاجة إسرائيل وسعيها المتواصل لاستدراج ردود فعل فلسطينية تنقذ نتانياهو من مأزقه التفاوضي، الفلسطينيون سواء ما يتصل بالسلطة الفلسطينية في الضفة، أو حركة حماس في قطاع غزة، يبدون حرصاً وحذراً واضحاً من الوقوع في هذا الفخ.

اللافت للنظر أن كثرة التصريحات والتحركات الأميركية بشأن السلام ولاستئناف المفاوضات، يرافقها تصريحات مماثلة من حيث الكثافة، تنطوي على تهديدات باندلاع حروب إقليمية.

الملف النووي الإيراني لا يزال يشكل مصدراً لحملة أميركية وإسرائيلية تغذي النيران التي تتقد تحت الرماد، ما جعل الرئيس السوري حافظ الأسد يحذر من اندلاع حرب إقليمية.

بعد تصريحات أميركية حذرة إزاء اتهامات إسرائيلية لسوريا بنقل صواريخ سكود لحزب الله، حسمت الإدارة الأميركية أمرها باتجاه توجيه اتهامات صريحة لسوريا بزعم دعمها لجماعات إرهابية وتهديد الأمن القومي الأميركي، إلى أن قطعت الشك باليقين حين أعلنت تجديد العقوبات على سوريا.

نهاية الشهر الماضي كان ضابط عسكري إسرائيلي كبير يعلن لحظة الرد على حزب الله وفي وقت لاحق اتهمت إسرائيل سوريا بتزويد حزب الله بصواريخ من نوع (م600) الذي يصل مداه ثلاثمائة كيلو متر، وقادر على حمل رأس متفجر بوزن خمسمائة كيلو غرام.

وفي السياق ذاته، وفيما تتوالى المناورات العسكرية الإيرانية في الخليج العربي، وتتوالى معها الإعلانات عن تطوير أنظمة صاروخية وأنظمة دفاع جوي قادرة على اعتراض الطائرات المعادية، وصواريخ كروز، في السياق ذاته تعلن وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون من على منبر الأمم المتحدة أن إيران تهدد الأمن القومي الأميركي من خلال طموحاتها النووية.

هكذا تتزايد الإعلانات من قبل الإدارة الأميركية عن المصالح القومية والاستراتيجية وعن الأمن القومي، فمن جهة تشكل التسوية السياسية وتحقيق رؤية الدولتين، جزءاً من المصالح القومية الإستراتيجية الأميركية، بينما تشكل المخاطر الإيرانية السورية، واللبنانية، تهديداً لهذه المصالح.

الولايات المتحدة التي تصيغ هذه المعادلة، بين ما يخدم مصالحها وما يشكل خطراً عليها، وجدت السبيل لضبط السلوك الإسرائيلي المتطرف الذي يتحفز لشن حروب في المنطقة، إذ أصبح على إسرائيل أن تبدي مرونة إزاء التسوية بما أنها تخدم المصالح القومية الأميركية، يقابلها تقدم أميركي باتجاه سبل معالجة الملف النووي الإيراني، وامتداداته، والذي تدعي إسرائيل أنه يشكل خطراً وجودياً فيما يشكل خطراً على الأمن القومي الأميركي.

وإذا كان من غير المتوقع أن تنضبط إسرائيل تماماً للإيقاع الأميركي الذي يربط بين تقدم المفاوضات غير المباشرة، والتقدم في اتجاه الملف النووي الإيراني، فإن ثمة سباق محموم بين التسوية السياسية وبين الحرب.

هذا السباق يملي على المتابعين لأوضاع المنطقة، فحص الأولويات خصوصاً وأن ثمة تعقيدات هائلة تتصل بالملفين.

قائد القوات الأميركية للمنطقة الوسطى الجنرال تبرايوس كان قد صرح بأن السياسات الإسرائيلية تعرض الجنود الأميركيين في المنطقة للخطر، أما وزير الدفاع روبرت غيتس فأوضح بأن التسوية في الشرق الأوسط، من شأنها أن تضعف من قوة إيران.

على أن هذه الشرطية التي تقدم التسوية على معالجة الخطر الإيراني، لا تكفي لتفسير الأمر وحل لغز الأولوية، فالإدارة الأميركية تدرك أن المفاوضات غير المباشرة لأربعة أشهر غير كافية لتحقيق تقدم ملموس،ويعتد به للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهي أي إدارة أوباما لا تنفك تتحدث عن إمكانية إنجاز التسوية خلال عامين.

والأرجح أن فترة المفاوضات غير المباشرة، هي فترة تحضيرية، أو انتقالية، تسعى خلالها الولايات المتحدة، لإقناع العرب، بجدوى دعم السياسة الأميركية في مواجهة الخطر الإيراني وتوابعه، من خلال إضفاء مصداقية إزاء قدرتها على تحقيق السلام في الشرق الأوسط وتحقيق رؤية الدولتين.

هكذا يجري خلط الأوراق في المنطقة، لكن طبيعة التعقيدات التي تتصل بملف الصراع الفلسطيني والعربي الإسرائيلي، تجعل من المرجح أن تفكيك ومعالجة هذا الملف لا يمكن أن يتحقق بدون حرب أو حروب كبيرة تغير المعادلات الراسخة التي تغذي استمرار هذا الصراع.

ثمة إذاً احتمال لأن تبدأ إسرائيل إشعال فتيل الحرب، ابتداء من قطاع غزة، الذي يشكل الحلقة الأضعف في سلسلة ما يسمى بقوى الممانعة العربية والإقليمية، وهي بداية قد لا تلقى ردود أفعال دولية قوية في ضوء إصرار حماس على رفض اشتراطات الرباعية الدولية، وبما أنها تشكل عقبة أمام أي تسوية فلسطينية ـ إسرائيلية.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات