لقد تكرر حدوث الأزمات المالية، في أحيان كثيرة، عبر التاريخ، وهي ناجمة عن «فقاعات اقتصادية»، غير معززة، تتعرض للانغمار. وكذلك عن المجازفات المفرطة، وتراكم ديون القطاع الخاص خلال «أزمة الفقاعات». وفي أعقاب التراجع الاقتصادي، وكجزء من رد الفعل على ذلك التطور، تتضخم الديون الحكومية والعجز المالي، وتصل إلى مستويات لا يمكن تحملها، ما قد يؤدي إلى تخلف عن الدفع، أو تضخم، إذا لم يتم تصحيح هذا المسار. والأزمة التي تواجهها الولايات المتحدة حالياً تسير على هذا النمط.
ويدور جدل واسع في هذه الأيام حول ما يسمى «عملية الدعم بالاقتراض»، ومع ذلك فإن المعطيات تشير إلى أن هذه العملية بدأت بالكاد على نحو هزيل. وقد جرى تثبيت معدل الفائدة في القطاع الخاص، وقطاع الإسكان، في الولايات المتحدة، بصورة أساسية، عند مستويات مرتفعة.
وفي الوقت نفسه، نرى عملية دعم مكثفة بالاقتراض لدى القطاع العام، مع وصول عجز الميزانية إلى مستوى 10% من إجمالي الناتج المحلي. ويتوقع الصندوق الدولي ومنظمة التعاون والتنمية الدولية تضاعف رصيد الديون العامة في الاقتصاديات المتقدمة، العام المقبل، ووصولها إلى ما نسبته 100% من إجمالي الناتج الإجمالي.
لذلك هناك تراكم كبير في الدين العام، ويفرض علينا ذلك الأمر أن نستوعب درس التاريخ، الذي ينص على أنه ما لم تتم معالجة هذا التراكم في القروض السيادية، في نهاية المطاف، من خلال رفع الضرائب، والتحكم في الإنفاق، فلن تكون هناك سوى حصيلة واحدة؛ إما التخلف عن الدفع، أو التضخم المرتفع.
لقد شهدنا تاريخياً سلسلة من أزمات التخلف عن الدفع والديون السيادية، سواء في اقتصاديات السوق المتقدمة، أو الناشئة.
يشار إلى أن هناك دولاً مثل الولايات المتحدة، بريطانيا، أو اليابان، تستطيع تسييل عجزها المالي، وبالتالي لا توجد لديها حالات من الديون السيادية، لكنها تعاني من التضخم الكبير، الذي يطيح بقيمة الدين العام. وبالتالي يعتبر التضخم، بصورة أساسية، عملية نقل لرأس المال من الدائنين، والمدخرين، إلى المقترضين، وغير المدخرين، وبصورة أساسية من القطاع الخاص إلى الحكومة.
يجب علينا أن ندرك أننا نمر بالمرحلة التالية من الأزمة التالية، ولا تتعلق القضية التالية بمسؤوليات القطاع الخاص، ولكن بمسؤوليات القطاع العام.
ولن يولد إنعاش النمو الاقتصادي وحده دخلاً ضريبياً كافياً لتخفيف أزمة الديون السيادية، فالعجز المالي كبير جدا، وهيكلي. وهو ليس ناجماً عن التراجع الدوري في النمو، فحسب، ولكن أيضا نتيجة الالتزامات المالية في المدى الطويل، كمعاشات التقاعد، الضمان الاجتماعي، والرعاية الصحية. ولتجنب التخلف عن الدفع، أو التضخم، تحتاج الاقتصاديات المتقدمة إلى تشكيلة من الدخل المرتفع، من خلال فرض الضرائب، وخفض الإنفاق الحكومي.
وأكثر ما يثير القلق هو الحلقة السياسية المفرغة، التي تعاني منها واشنطن. ففي حين يتفق الجميع على أنه لا يمكن تحمل العجز البالغ 10 تريليونات دولار، بحسب تقدير إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، بالنسبة للعقد المقبل، فإنه لا توجد إرادة سياسية للتصرف إزاء ذلك. فالحزبان الأميركيان، الجمهوري والديمقراطي، منقسمان على نفسيهما بالكامل. وعلى نحو فعال، فإن الجمهوريين يعارضون أي شكل من أشكال زيادة الدخل. أما الديمقراطيون فيعارضون خفض الإنفاق، خصوصاً في ما يتعلق بالاستحقاقات.
ولو سيطر الجمهوريون على مجلس النواب في الانتخابات المقبلة، ورفضوا أية زيادة في الدخل، في حين مارس الديمقراطيون حق النقض في مواجهة سياسة خفض الإنفاق، فسيتمثل المسار، الذي يشكل المعارضة، بانطلاق العجز المالي، وسيقدم الاحتياطي الفيدرالي على تسييله، وقد شرع بالسير على هذا النهج الآن.
وفي السنة الماضية وحدها، اشترى الاحتياطي الفيدرالي 8, 1 تريليون دولار من سندات الخزانة وقروض الوكالة الأميركية، وهذا النهج سيقود حتماً إلى التضخم المرتفع، إذا أمكن تحمله، وهو يعرف على النطاق الشعبي بـ «طباعة المال».
وفي اليونان، التي زاد التضخم بها على 12% في السندات المالية لعامين متتاليين، أو في إسبانيا، أو البرتغال، أجبرت أسواق السندات المالية على إحداث تعديلات جذرية. وعلى الرغم من الكساد الاقتصادي، وضعت الأسواق تلك الدول وسط خيارين صعبين: إما تصحيح مشكلاتها، أو التعرض للإفلاس.
ولسوء الحظ فإن مثل هذه التعديلات غير مفروضة على واشنطن، في الوقت الحالي، نظراً لأن سوق السندات المالية لم ينهض بعد لمواجهة الأخطار المحدقة به. ويمكن الاقتراض بنسبة 0% على المدى القصير، و6, 3% على المدى الطويل. ونتيجة لذلك سيقاوم النظام السياسي في واشنطن سياسة الإدماج المالي. وهذا يعني أن مواجهة حدوث أمر خطير في الولايات المتحدة في السنتين، أو الثلاث المقبلة، ذات مغزى مهم.
أستاذ الاقتصاد في جامعة نيويورك