أنفلونزا الخنازير والراعي الكاذب رؤوف بكر

أنفلونزا الخنازير والراعي الكاذب

في مثل هذه الأيام قبل عام، حبس العالم أنفاسه ذعراً مستقبلاً وباءً مرعباً جديداً ولد دون مخاض فسماه العالم أنفلونزا الخنازير. وهبت منظمات الصحة حول العالم ومعها آلاف المخابر لاستقصاء حقيقة هذا المرض الذي كبر شيئاً فشيئاً ليصبح جائحةً فوباءً وما أدراك ما الوباء.

وابتدأت حينها عدادات الأطباء في العمل بوتيرةٍ هستيرية تحصي ضحايا هذا الوليد الجديد الذي كان لا بد من إلصاقه بأبٍ شرعي لم يكن سوى الخنزير كحال شقيقته المنسية أنفلونزا الطيور.

وباتت سجلات الموتى تحظى بمراقبة يومية بل وساعية من قبل المهتمين والخائفين على حياتهم حتى تحول الأمر برمته إلى ما يشبه الهوس المرضي الذي كان يتوجب معه العلاج بدلاً من البحث عن لقاحٍ لأنفلونزا الخنازير نفسها.

واليوم وبعد عامٍ على انتشار المرض أو اكتشافه أو افتعاله.. لا فرق، بدأت التساؤلات تطرح من هنا وهناك عن جدوى تلك الموجة التحذيرية المبالغ فيها وخلفية ال«تسونامي» المصطنع من قبل الهيئات المسؤولة وشركات الأدوية في وقتٍ كانت الأزمة المالية العالمية تتسربل بثوبها الأسود على منصة الاقتصاد العالمي ضاربةً، بوبائها، كبريات المؤسسات الدولية في الدول الصناعية التي ضخت فيها الملايين في محاولةٍ لإنقاذ حياتها من أنفلونزا الجشع.

وما بين التوقعات الأولية بإصابة نصف سكان المعمورة وسقوط الملايين صرعى أنفلونزا الخنازير، وتسبب بالمرض في نهاية المطاف بموت ما لا يزيد عن 17 ألفاً في أرجاء الأرض، تكمن الخلاصة المؤسفة التي يتوصل إليها المرء بأن المسألة لم تعدو عن كونها تهويلاً سخيفاً خاصةً إن علم أن الأنفلونزا الموسمية تحصد سنوياً أرواح أكثر من نصف مليون شخص.

غنمت شركات الأدوية إذاً من تلك المسرحية العبثية التي حضرها الملايين وسوقت بذكاء لسيناريو بيع منتجاتها الكاسدة في ظل حمى التسريحات والتعثر المالي، فيما وقعت العديد من الدول ضحية الهلع بعدما بادرت إلى تكديس أطنان اللقاحات عديمة الفائدة وأضاعت الملايين جراء إلغاء طلبات شراء.. فأنفلونزا الخنازير لا تحمي المغفلين.

المشكلة الحقيقية الآن تكمن في أن سلطة منظمة الصحة العالمية ومصداقيتها باتت على المحك إثر ما حدث والسبب هو أن ناقوس الخطر الذي دق ذهب صداه أدراج الرياح بعد افتضاح القضية.

ويخشى الجميع أن تصاب المنظمة بما أصيب به الراعي الكذاب الذي استمرأ الكذب على ذقون أهل قريته وعمد مراراً إلى تنبيههم زوراً من أن خطر الذئاب يهدد قطيع الغنم حتى أكلته الذئاب فعلاً ذات يوم وأتت على القطيع.

فمن إيبولا وسارس إلى أنفلونزا الطيور وزكام الخنازير مروراً بجنون البقر، لم يعد المرء واثقاً تماماً من صدقية تلك الإنذارات التي تطلقها الهيئات الصحية والتقارير العلمية التي تصدر بين الفينة والأخرى بشأن الأوبئة المستجدة، فيما تبدو الأسماء المخترعة للأمراض وكأنها منتقاة بعناية من خلال مسابقة ما !!.

والأمل كل الأمل أن لا يستفيق العالم في المستقبل القريب ليجد نفسه مضطراً للتعامل مع «بواسير السمك» أو «فتاق الغنم».. فلم يعد هناك الكثير من الخيارات لوضعها على مائدة الطعام !!

bbaker@albayan.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات