اليوم الثامن عميد الساخرين مجدي شندي

اليوم الثامن عميد الساخرين

سائراً بين التفاصيل.. اتكأت على مياه فانكسرت».. هذه المقولة لمحمود درويش في قصيدته الفذة أحمد الزعتر تمثل اختصارا لحياة محمود السعدني آخر الساخرين العظام في صحافتنا العربية، والذي رحل عنا الثلاثاء الماضي (4 مايو 2010).. ظل السعدني نسيجا وحده، كيف لا؟

وهو يجمع في شخصيته رموزاً بائدة في الحياة الشعبية المصرية، كان الأدباتي الذي يمتع قارئه بالسخرية من ظلامه، والأراجوز الذي يلهب ظهور الحكام بسوطه عبر عرائسه ودماه التي يحركها برفق، والعروبي الذي يهزأ بالنعرات الإقليمية، والثائر الصادق الذي يصب جام غضبه على مناضلي الميكروفونات من قبيلة «بني حنجره» على نحو ما كان يصف أولئك الزعماء الذين أدمنوا كلاما في اتجاه وفعلا في اتجاه آخر.

بداخله ظل يتوارى فنان ومسرحي وقاص من الطراز الأول، ولأن الفنان الحقيقي متمرد على الواقع، لذلك فإنه لم ينسج علاقة معمرة مع أي من أنظمة الحكم العربية، التي قربته ثم اكتشفت أنه عصي على التطويع، وأنه سيعيش ويموت «سليط اللسان» فأبعدته مرة أخرى غير نادمة، وربما يكون الشاعر المصري الراحل كامل الشناوي أول من سبر غوره في وقت مبكر فقال عنه «يخطئ من يظن أن السعدني سليط اللسان فقط، إنه سليط العقل والذكاء أيضاً».

ولأنه كذلك فقد شقي في النعيم بعقله محققاً مقولة المتنبي، فلا مال جمع، رغم انه صادق من يسبحون في بحار من الأموال، ولا موقعاً مهنياً ضخماً أدخله خلسة إلى صفوف العظماء (باستثناء رئاسته لتحرير مجلة صباح الخير لفترة قصيرة في الستينات ورئاسته لتحرير مجلة 23 يوليو التي أصدرها من لندن، وفي التجربتين لم تتوفر الإمكانات الضخمة ولا الظروف السياسية الملائمة لكي تبرز مواهبه).

ومع ذلك ظل ملكا متوجا دون مملكة، اللهم إلا تلك التي صاغها من حرفه، وجعلها روضة لكل من يحب معرفة كيف كانت الصحافة العربية مجمعا للفنون قبل عقود قليلة، وليست مجرد حقل لأنصاف وأرباع المواهب يمرغون أنفها في الوحل كما هو حالها الآن.

ذاق السعدني مرارة السجن والنفي، وتقلب على حسك الفقر، غير أنه ظل يهزأ من كل الظروف التعسة التي لاحقته أينما حل أو ارتحل، خسر كل شيء لكنه كسب نفسه، فظل حتى مرضه الأخير حكاء لا يشق له غبار، في وجوده تعلو الضحكات وتغزو البسمات وجوه المهمومين، ويخشى الجلوس إلى جواره أطرف الطرفاء لأنه يسحب من تحت أرجلهم بساط الظرف ويظهر للحاضرين كم هم صغار إلى جواره.

وحين كان يذهب إلى أي مكان حتى لو كان نادياً أو مقهى تجده يعج بالحاضرين الذين يودون أن يسجلوا في تذكاراتهم ويتفاخرون أمام معارفهم انهم جلسوا مرة مع ساخر عظيم من طينة محمود السعدني.

فوق كل ذلك كان إنسانا نبيلا يحتضن من يرى فيهم موهبة مهنية، ويريق ماء وجهه من أجل أن يطلب من رئيس تحرير (صغير) أن يوفر لهم موطئ قدم، هكذا فعل مع كثيرين.. بعضهم اعترف بفضله وبعضهم جحده كما هي حال الدنيا.

عاش السعدني واحدا من غمار الناس رغم قدره ومكانته، يفرح لأفراحهم ويكتثب لأحزان الفقراء والتعساء منهم.. يسخر بلسانهم من الواقع المتردي الذي يعيشه العربي ومن التواطؤ على استمرار النكسات في حياتنا السياسية والاجتماعية ليداري أحزانه، وترك كنزاً لا يفنى من المؤلفات التي تعكس تاريخاً اجتماعياً صادقاً للنصف الثاني من القرن العشرين.. تاريخ ليس كالتاريخ الذي نقرأ لأنه مكتوب من مقاعد المتفرجين.

وليس من طرف يجلس على خشبة المسرح ويجعل الجمهور حائرا في معرفة الحقيقة مستخدماً حيله الفنية التي تبرز الخائن بطلاً وخائر القوى صنديداً تعرفه الخيل والليل والبيداء.. كم من عباقرة في أوطاننا ليس لهم منها إلا السجن والنفي؟

رحمة الله على محمود السعدني، وعلى كل كاتب لا يبيع حروفه في سوق النخاسة.

magdishendi@hotmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات