مر شهران على الانتخابات النيابية في السابع من مارس المنصرم، دخل العراق بعدها في دوائر المتاهات والضياع، بسبب الابتعاد عن جوهر العملية الديمقراطية. فالكتل السياسية الفائزة في الانتخابات وجدت نفسها أمام عائق يحول دون قدرتها على تحقيق طموحاتها، فتشكيل الوزارة يخضع لاستحقاقات دستورية لا تتوافر فرص الحصول عليها لأية كتلة فائزة، إلا عبر عقد تحالفات والدخول في عمليات مقايضات ومساومات لتوزيع الحقائب الوزارية.
والحقيقة أن هذه ليست العقبة الكأداء الوحيدة، فقد كانت هذه العقبة ماثلة أمام هذه الكتل في المرتين السابقتين كذلك، إلا أن المعرقل الحقيقي لمسار العملية السياسية والذي يحول دون تشكيل الحكومة الجديدة، هو الطعون التي قدمت ضد نتائج الانتخابات، والتي رفضت جميعاً عدا الطعون التي قدمها الائتلاف الحكومي، ائتلاف دولة القانون، الذي يصر على إعادة عملية الفرز والعد بطريقة يدوية، في الوقت الذي يوظف هذا الائتلاف ما يمتلكه من قدرات ومن أدوات، بحكم كونه يسيطر على مؤسسات الدولة، لاستهداف القائمة الفائزة بأكثر المقاعد النيابية لسلبها حقها الدستوري في تشكيل الحكومة لصالحه.
الولايات المتحدة هي الأكثر قلقاً حول ما يجري في العراق، واحتمالية تحول الصراعات بين الكتل المتنافسة على منصب رئاسة الوزارة إلى العنف، خاصة أن لغة الحوار قد بدأت تتخذ منحى لا يخلو من التهديد. فهي لن تعترض على أية تسوية سلمية تتم بين الأطراف المتنافسة، إذ إن الفراغ الدستوري الناجم عن عدم وجود مجلس نيابي، مع وجود حكومة منتهية صلاحياتها دستورياً، قد بدأ يخلق شللاً في الوضع السياسي، مما قد يعرقل تنفيذ خطط الإدارة الأميركية لسحب جزء كبير من قواتها في أغسطس القادم.
الانتخابات الأخيرة وما تمخضت عنه من تحول في الرأي العام العراقي وتمسكه بخيار التغيير، شكلت اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الكيانات السياسية المتنفذة على التخلص من سلبيات الماضي، وإخراج العراق من محنته، إلا أن نتيجة الاختبار كانت مخيبة للآمال، في محورين: أولهما، الإصرار على التمسك بكرسي الحكم وتجاهل حقوق الآخرين، من قبل حزب الدعوة الذي تشغل رموزه أبرز المراكز الحساسة في الدولة، والذي أصبح العقبة الأساسية أمام تشكيل الحكومة وتلافي التداعيات الخطرة التي تتأتى نتيجة الفراغ الدستوري.
وثانيهما، إسقاط كافة الشعارات الوطنية التي حرصت بعض الكتل على تزيين برامجها بها أمام الناخب، والعودة إلى الاصطفافات الطائفية بعد الإعلان مؤخراً عن التحالف بين ائتلاف دولة القانون والائتلاف الوطني العراقي، لقطع الطريق أمام القائمة العراقية.
استطاع حزب الدعوة في مناسبتين انتخابيتين سابقتين، عامي 2005 و2006، أن يفرض نفسه كقائد للعملية السياسية، بحصوله على منصب رئيس الوزراء الذي يعتبر المنصب الأكثر أهمية وفق الدستور، وذلك حين كان هذا الحزب جزءاً من ائتلاف كبير تشكل على أسس طائفية. وقد يختلف الكثيرون في تقييم أداء هذا الحزب، إلا أن أشد المتحمسين له لا يجدون في أدائه على مدى السنوات الخمس الماضية ما يبهر.
فقد فشل هذا الحزب في الاختبار الأول حين ترأس الجعفري الحكومة الانتقالية، حيث تردت العلاقات بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان إلى حد كبير، وشهدت تلك الفترة أبشع عمليات القتل على أسس طائفية. إلا أن ذلك الفشل لم يكلف هذا الحزب دوره القيادي في العملية السياسية، بدليل انتقال زعامته ومن ثم رئاسة الوزراء، من الجعفري إلى المالكي في الدورة الانتخابية الثانية.
كما أن الاختبار الثاني على مدى السنوات الأربع المنصرمة لم يكن في صالحه، فقد استطاع حزب الدعوة خلال فترة رئاسة المالكي للوزارة، أن يعزز مواقعه في مؤسسات الدولة، خاصة الجيش والمؤسسات الأمنية ومواقع صنع القرار، وعزز علاقاته مع رؤساء بعض العشائر، إلا أنه فشل في أن يصبح حزباً له جمهور واسع.
فهو لم يخض انتخابات مجالس المحافظات في العام المنصرم، ومن ثم الانتخابات النيابية الأخيرة تحت مسمى «حزب الدعوة»، بل تحت مسمى «دولة القانون»، وذلك لمعرفته بأن اسم الدعوة ليس له البريق الذي يجذب الناخب. إلا أنه من جانب آخر، لم ينجز ما يستحق الذكر على المستوى المحلي، فقد قام بتهميش القوى السياسية الأخرى المتحالفة معه (المجلس الأعلى الإسلامي والحزبان الكرديان)، كما فشل في تحقيق المصالحة الوطنية، ولم يسجل نجاحاً يذكر على مستوى قطاع الخدمات.
أما على المستوى الخارجي فالعراق لا يزال يشكو من العزلة، ولا يزال أسير الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ولا يزال، وإلى حد كبير، غير قادر على الابتعاد عن قبضة الجار الشرقي.
والآن، بعد عودة حزب الدعوة إلى أحضان الائتلاف القديم، هل سيتمكن من تحقيق طموحه والفوز بمنصب رئيس الوزراء للمرة الثالثة؟ وما هي حظوظ مرشحه في الحصول على هذا المنصب؟
يمر هذا الحزب الآن بمنعطف خطير، فتجربته خلال السنوات الخمس المنصرمة ليست في صالحه، إذ رغم حصول زعيمه نوري المالكي شخصياً على أعلى الأصوات في الانتخابات الأخيرة، إلا أنه يصطدم وحزبه برفض قاطع من قبل أكثر القوى أهمية في الائتلاف الوطني، وهو التيار الصدري الذي حصل على واحد وأربعين مقعداً نيابياً في الانتخابات الأخيرة، مع العلم أن مرشحي هذا الحزب اللذين توليا رئاسة الوزارة، الجعفري والمالكي، قد وصلا إلى هذا المنصب بأصوات هذا التيار.
حلفاء المالكي يرفضون التجديد له مقابل إصرار ائتلافه، حتى الآن، على تقديمه كمرشح وحيد لرئاسة الوزراء، والبدلاء الآخرون لهذا المنصب هم بعض القيادات في المجلس الأعلى الإسلامي، وفي مقدمتهم عادل عبد المهدي الذي سبق أن كان مرشحاً لرئاسة الوزارة في مواجهة الجعفري، ثم في مواجهة المالكي، إلا أن حظوظه ليست كبيرة.
خاصة بعد انحسار دور المجلس الأعلى الإسلامي الذي ينتمي إليه من جهة، وتحفظ التيار الصدري على ترشيحه من جهة أخرى. كما أن فرصة الجعفري هي الأخرى ليست كبيرة، فتيار الإصلاح الوطني الذي يقوده ضعيف التأثير في المعادلة السياسية.
معركة لي الذراع قد تتطلب من حزب الدعوة تقديم مرشح آخر، وقد نشهد إزاء تصلب المالكي انقساماً في حزبه، خاصة أن هذا الحزب قد تعرض إلى الكثير من الانقسامات والانشقاقات في الماضي، سواء في مرحلة عمله السري أو بعد صعود رموزه إلى سدة الحكم.
كاتب عراقي
