لا شك أن الطاقة النووية التي بدأت تثير نزاعات دولية متصاعدة، تتحول لتصبح إحدى أهم وسائل الطاقة خلال المرحلة القادمة فى تاريخ البشرية. ويمكن القول إن الجانب الأكثر أهمية فى النزاعات الدولية، لا يقتصر على ضمان استخدام هذه الطاقة فى الأغراض السلمية، وإنما بسبب ما توفره الطاقة النووية من قدرات وإمكانات هائلة لاقتصاديات البلدان التي تتحول للاعتماد عليها.
لقد أصبح الاقتصاد العالمي يعتمد كثيراً على صناعة الطاقة الذرية، ويتنامى اعتقاد لدى العديد من الباحثين أن الطاقة النووية، هي الوحيدة القادرة على تلبية الاحتياجات البشرية المتنامية بشكل سريع، بل إن حياة الإنسان ورفاهيته باتت مرتبطة باستهلاك كميات هائلة من الطاقة، ما يفرض على الكثير من البلدان الانتقال لاستخدام الطاقة الذرية، باعتبارها الأرخص والأكثر إمدادا للطاقة.
وتكشف الإحصائيات العالمية عن أن استهلاك الطاقة يتنامى بشكل كبير، بل ويزيد عن نمو تعداد سكان الأرض ليتضاعف مع حلول عام 2050. وإذا كان الاستهلاك المكثف للمواد الهيدروكربونية لا يؤدي فقط إلى الاستنزاف السريع للثروات الطبيعية، وإنما أيضا إلى عواقب بيئية كارثية، باعتبار أن تزايد استهلاك المواد الهيدروكربونية سوف يؤدي لزيادة كميات غاز ثاني أكسيد الكربون الصادر عنها، ليصل حجمه في الجو خلال عام 2050 إلى حوالي 11 مليار طن في السنة، مما سيكون السبب الأساسي في اشتداد ظاهرة الاحتباس الحراري.
ولا تتوقف أهمية الطاقة النووية عند هذا الحد، وإنما تعتبر الأداة الرئيسية لإنقاذ العالم من أزمة تناقص مياه الشرب، التي بدأت تتفاقم في منطقة الشرق الأوسط وتتحول إلى سبب أساسي في النزاعات الإقليمية، إذ من غير الممكن تجديد احتياطي مياه الشرب إلا بواسطة محطات ذرية عائمة لتحلية المياه.
وقد كشفت الاتفاقيات التي وقعت مؤخرا بين روسيا وأوكرانيا، حول توريد الغاز الروسى للمستهلك الأوكرانى، استعداد موسكو لتقديم الكثير من التنازلات مقابل الحصول على عقود فى مجال الطاقة النووية فى أوكرانيا. وتسيطر قناعة على الأوساط الحاكمة فى روسيا، بضرورة توسيع نفوذها فى أسواق الطاقة النووية العالمية التى تسخر هذه الطاقة للأغراض السلمية.
وتعتبر روسيا من بين أكبر خمس دول منتجة للطاقة النووية، إذ يستخدم أكثر من 15% من المفاعلات الذرية فى العالم، الوقود النووي الروسي. ومن المتوقع أن تزداد هذه الأرقام مع إقبال العديد من الحكومات على تشييد مفاعلاتها الذرية، هربا من ارتفاع أسعار النفط والغاز.
هذا الوضع لا بد وأن يؤدي لاحتدام الصراع الدولي على محورين أساسيين:
1 ـ محاولة الإبقاء على النفط والغاز كمصادر أساسية للطاقة، ليس فقط لإنهاك اقتصاديات الدول النامية، وإنما للتحكم في قدراتها الصناعية، إضافة للاستفادة بهما في زيادة أرباح وعائدات الاحتكارات المتعددة الجنسية.
2 ـ نهوض قطاع الطاقة النووية فى مجال الأغراض السلمية، سيفتح آفاقا واسعة أمام اقتصاديات وصناعات الدول النامية، بل وقد يمكنها من الاقتراب من اقتصاديات الدول الغنية، ما سيخفف من هيمنة الاحتكارات متعددة الجنسية على اقتصاديات هذه الدول.
ومنذ عدة أعوام حددت موسكو استراتيجية لغزو أسواق الطاقة الذرية العالمية، ويمكن اعتبار ذلك من أهم الدوافع التى تجعل الإدارة الأمريكية تخوض حربا ضروسا لإزاحة روسيا، عبر تفجير البرنامج النووي الإيراني، باعتبار أنه من أهم مرتكزات توسع النفوذ الروسي فى أسواق الطاقة الذرية.
ويمكن القول بأن الاتفاقيات الأخيرة التي تم التوصل اليها بين روسيا وأوكرانيا، والخاصة بدمج قطاعي صناعة الطاقة النووية في روسيا وأوكرانيا، والتي ستبدأ بدمج مؤسسات تخصيب وتحويل اليورانيوم الخام إلى وقود لمحطات الكهرباء، ودفن مخلفات المحطات الكهرونووية، ستشكل نقلة نوعية للطرفين، لأنها ستضمن توفير الطاقة لأوكرانيا.
وستدعم نفوذ روسيا فى الأسواق العالمية. لذا من غير المستبعد أن يثير ذلك غضب الغرب، ويدفعه لحملة حادة ضد المحتوى الجديد للعلاقات الروسية ـ الأوكرانية، باعتبار أن المشروع الروسي سيحكم على مشروع ابتلاع الغرب لأوكرانيا بالفشل مسبقا.
إن اتفاق موسكو وكييف حول التعاون النووي، لا بد وأن ينهي بشكل أو بآخر خطط الحكومات الأوكرانية السابقة، الخاصة بالانضمام إلى حلف الناتو وتطوير التعاون العسكري مع الولايات المتحدة، ليس فقط بسبب بقاء القاعدة الروسية فى ميناء سيفاستوبول الأوكراني، وإنما لأن المصالح النووية المشتركة بين البلدين تتعارض مع هذا التوجه.
خبيرة الطاقة الروسية