عن أي مساحات ضيقة ستتحدث هذه السطور؟ بالتأكيد، لن تتحدث عن مساحات المنازل ولا المكاتب ولا المجمعات التجارية، ولا المسطحات الخضراء الممتدة عن أيماننا وشمائلنا.. لا تتحدث سطوري هذه عن أي من هذه المساحات التي لا أعتقد أنها ضيقة في وقتنا الحالي، بل على العكس تماماً..
إنها تزداد اتساعا كلما تقدم الزمن للأمام.. وكأن علاقة طردية تجمع بينهما، في مقابل مساحات أخرى تضيق كلما تقدم الوقت.
ليست أزمة الضيق، إذن، واقعة على المساحات المكانية (الفيزيائية)، إنما على المساحات النفسية، أو ربما بعبارة أدق، على نظرتنا إلى مساحات الجوانب الإيجابية في حياتنا، إذ قد يظن البعض أنها ضيقة ولا تتسع للجميع، وربما لا تتسع إلا لهم فقط، لذلك يحاولون أن يستفردوا بها ويستأثروا لأنفسهم بخيرها، ويسعون جاهدين كي يُقْصوا الآخرين عنها، وكأنها تضيق بالفعل عن احتوائهم جميعا!
وليس هذا إلا من ضيق نفوسهم وأعينهم، وإلا كيف يمكن أن نفسر عدم قدرتهم على فهم أن الحياة بخيرها وجمالها وحبها وكل ما فيها من حالات إيجابية، تتسع للجميع دون أن يتطلب الأمر «منافسة» غير شريفة للاستئثار بها!
هل يضيق الخير عن أن يشمل الجميع؟ أو يضيق الحب عن أن يعيشه كل الناس إن شاؤوا؟ وهل ستقل مساحة الجمال إن تنَعَّم الجميع بالنظر إليه والاستمتاع به؟.. أو هل ستنقص راحة أحدهم إن ارتاح سكان الأرض قاطبة؟ أو ستزيد راحته إن عاش بقية أهل الأرض في تعب وشقاء؟
لا تحتاج هذه الأسئلة إلى إجابات لبدهية إجاباتها، ولكن الذي يحتاج لإجابة فعلا هو التساؤل الكبير الذي يطل أمامي ـ وربما أمام كثيرين غيري ـ حين نرى أناسا لا يهنأ لهم بال إلا إن كدروا صفو حياة الآخرين، أو إن رأوهم تعساء أشقياء، ويسعون سعيا دؤوبا كي ينالوا من فلان وعلان حتى ترتاح نفوسهم النكِدة، ويعيشون في ضيق وكدر إن رأوا الخير يطرق باب غيرهم ـ وإن طرق بابهم قبلهم ـ ظنا منهم بأنه سينسحب من عندهم أو سيقل نصيبهم منه!
أدرك جيدا أن هذه هي طبيعة الحياة.. أن يعيش الخير فيها بجوار الشر، وأن يكون هناك الأخيار الذين يحبون الآخرين ويتمنون لهم الخير والسعادة.. وهناك أيضا الأشرار الذين يبغضون الآخرين ويتمنون لهم الشر والتعاسة..
ولكن يبدو أن مساحات الخير تقل لأننا أصبحنا في زمن غريب.. يأتي الشر فيه من كل حدب وصوب.. ويتراجع الخير فيه وكأنه أصبح نادرا، فلا يكاد أحدنا يفرح بخير يأتيه إلا ويده على قلبه، خوفا من شر يلحق به ويذهبه..
هكذا أصبحنا نخاف من الفرح جدًا خشية الحزن الذي قد يليه، ونقلق من الضحك الكثير خوفًا من البكاء الذي قد يعقبه.. وإذا كان الخير في السابق قد يأتي من الأباعد كما قد يأتي من الأقارب، فإننا في وقت أصبح الشر يأتي فيه من الأقارب أكثر مما يأتي من الأباعد. ليس هذا تشاؤما.. ولا سوداوية.. ولكنه وعي ـ قد يكون متأخرا ـ لواقع أصبحنا نعيشه، بل أصبحنا جزءا منه، ولا ندرك جيدا أنه بهذا السواد.. وأننا جزء من سواده!
يمكننا أن نلون حياتنا، وحياة من حولنا، باللون الأبيض.. أو أن نقلب سوادها بياضًا.. إن شئنا طبعا، بشرط أن يكون كل واحد منا صادقًا مع نفسه، وأن يحدد المساحة الشخصية التي يرى الحالات الإيجابية في الحياة من خلالها..
فإن كان يراها واسعة وممتدة جدا تتسع له ولغيره من الناس، فليكن مطمئنا من أنه يقف في صف الأخيار الذين لا يودون الاستئثار بالخير لأنفسهم، وإن احترق غيرهم في جحيم الشر بأشكاله وأصنافه المختلفة.
وإن رأوا تلك المساحة صغيرة ضيقة لا تكاد تتسع إلا لقلة من الناس، وهو على رأسهم، فليتأكد من أنه يقف في الصف المقابل، الذي يود كل فرد فيه ـ بينه وبين نفسه ـ أن يحصل على كل شيء، حتى إن كان ذلك على حساب الآخرين، أو كان من حقهم.
ومن هذا الصف أيضا فئة ربما لا تتمنى أن تحصل على شيء محدد، لكن المهم ألا يحصل غيرها على أي شيء يتمناه، ومنهم من يقضي حياته ساعيا فقط لمنع خير أو لجلب شر!!
المؤكد في الأمر أن مساحات الخير وكل ما يدور في فلكه من المعاني الإيجابية، أوسع من أن تدركها العقول بكل اتساعها، والنفسيات مهما كانت سليمة ومعافاة. ولنا أن نتخيل الوضع في وقت ضاقت فيه العقول والنفوس عند كثيرين ممن حولنا.. لندرك أن الحياة قد تكون شكلا من أشكال الجحيم النفسي، إن لم ندرك أنفسنا قبل فوات الأوان.
جامعة الإمارات
sunono@yahoo.com