حرصت دولة الإمارات، بما حباها الله من إمكانات، على مواكبة التطورات الحديثة في عالم التكنولوجيا والبحوث وثورة الاتصالات، من خلال مؤسسات أكاديمية وعلمية طموحة تكون الحاضنة للتوجهات والممارسات البحثية العلمية، وعلى استقطاب الكفاءات المتميزة القادرة على إيجاد كوادر مؤهلة ومبدعة.
تساهم في بناء النهضة الشاملة التي تخوضها الدولة في معركة التنمية، في عصر لم تعد تقاس فيه قوة الأمم بعدتها أو عتادها العسكري، بل أصبح يعتمد على مدى تقدمها العلمي، وما تملكه من أدمغة مبدعة قادرة على تحقيق مشروعها التنموي وإحياء نهضتها.
ولا شك أن هذه الثروة البشرية النوعية، هي الرصيد الاستراتيجي الحقيقي الذي تراهن عليه الأمم الناهضة، أو حتى التي حققت شوطا كبيرا من النماء وتود الحفاظ عليه والاستمرار فيه.
والشاهد تلك الحروب غير المعلنة بين الكيانات الدولية الكبرى لاستقطاب الكفاءات، سواء بالإغراء والترغيب تارة أو التهديد والترهيب تارة أخرى، والأمثلة كثيرة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي أو حتى بين أبناء جلدتنا من بني العرب.
وانطلاقا من تلك الأهمية الخاصة بتكوين العقل البشري، وأهمية وجود نظام تعليمي قوي قادر على جعل العنصر البشري عنصرا محوريا فاعلا في تنمية المجتمع وتقدمه، حظيت المؤسسات التعليمية بكافة أشكالها ومستوياتها، برعاية خاصة من القيادة السياسية الرشيدة التي تؤكد دوما على أن «أهمية الجامعات العلمية والبحثية تتعاظم اليوم أكثر من أي وقت مضى باعتبارها نواة التطوير، وهي المحرك الأساسي نحو الابتكار والإبداع والاكتشاف والتجديد، وتعزيز ثقافة مؤسسية داعمة للتغيير والتجديد وإقامة المجتمع المتقدم الذي نرنو إليه».
ولا شك أن النظام التعليمي، بدءا من التعليم ما قبل الجامعي، يشهد حالة من حالات الاستنفار الفكري لترميم الكثير من جوانب الخلل التي تتضح من خلال التطبيق، وهو أمر صحي يجب دفعه والمساهمة فيه، باعتبار أن مخرجات التعليم الثانوي هي الرافد للتعليم الجامعي والأساس الذي يبنى عليه، وضعفه يؤثر تأثيرا بالغا في قدرة الجامعة على بناء معرفة متينة على قاعدة ليست كذلك.
ولكوني أحد أبناء الحقل الجامعي والممتهنين له والمدركين للتحديات التي تواجهه، أسلط هنا الضوء على بعض الجوانب، كإضاءات تساعدنا في تكشف مسيرتنا التعليمية التي أرى أنها تتعاظم يوما بعد يوم.
إن طلابنا بحاجة إلى الوعي بأهمية الخروج من المصلحة الضيقة، الخاصة برغبتهم في الالتحاق بالجامعة للحصول علي شهادة جامعية، أيا كان التخصص، تساعدهم في الترقي في السلم الوظيفي وزيادة الدخل، بالإضافة إلى المزيد من الوجاهة المجتمعية..
إلى إدراك الصالح العام ومعرفة واقع مجتمعهم واحتياجاته. من هنا اكتظت الكليات النظرية والإنسانية بطلابها باعتبارها الأيسر، في حين قلت نسبة الملتحقين بالكليات ذات التخصصات العلمية والتقنية، مما أحدث حالة من التنافر والتباعد بين مخرجات المؤسسات التعليمية وسوق العمل، وكرّس الاعتماد على العمالة الوافدة، في الوقت الذي تحرص فيه القيادة السياسية على الاستعانة بالكفاءات الوطنية في شتي المجالات.
ترتقي الجامعة وتحلق بجناحين أساسيين؛ هما التعليم والبحث العلمي، ولا يمكن لها الاستمرار بأحدهما دون الآخر. ولا شك أن إنشاء الهيئة الوطنية للبحث العلمي في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، يعضد ويؤازر الدور البحثي للجامعة باعتبارها الحاضنة للعلماء والباحثين، مع مراعاة وضع آليات محددة تضمن التوافق بين المشكلات البحثية وما يواجهه المجتمع من مشكلات، بل والكشف عن ذلك عبر ما يسمى بتسويق البحث العلمي الذي يعد ركنا أساسا في تصنيفها عالميا.
إن الجامعة بما تحويه من كفاءات علمية متميزة في مختلف التخصصات، وبما تضمه من بنية تحتية من مراكز ومختبرات، لهي بيت للخبرة يجب ألا يكتفي بالمنتسبين إليه من الدارسين فقط، ولكن أن يتعدى هذا الدور ويحول تلك التجهيزات إلى وحدات منتجة، تدر دخلا يساعد الجامعة في تنمية مواردها الذاتية ويقدم خدمة مجتمعية، من خلال تقديم الاستشارات الفنية واقتراح الحلول القائمة على التقصي العلمي للمشكلات التي تواجهها المؤسسات المجتمعية، انطلاقا من رؤية وطنية.
كما أن الدور التعليمي والبحثي والمجتمعي للجامعة، يجب ألا ينسينا أو يلهينا عن رسالتها في تكوين المنظومة القيمية للفرد، وترسيخ الهوية الوطنية والاعتزاز بها، وتوجيه السلوك وتقييمه، وتنمية روح العمل الجماعي وتقبل الآخر، بل إن فتح أبواب جامعاتنا لطالبي العلم في محيطنا العربي والإقليمي، يمثل رصيدا إضافيا لقوتنا وقدراتنا الثقافية التي يجب أن نحافظ عليها وننميها.
عميد كلية المعلومات والإعلام ـ جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا
Dralkhaja@gmail.com