EMTC

الصين والأجيال العربيّة الجديدة

الصين والأجيال العربيّة الجديدة

أضحت الصين مصنّع العالم، وتخطّت ألمانيا في قيمة صادراتها. وفي حين تتخبّط أوروبا في نموّها الهزيل وفي أزمة الديون الحكوميّة التي انطلقت من اليونان، تستكمل الصين مسيرة نموّها الحثيث.

فما هي أسرار هذه العافية الاقتصاديّة؟

وسيلتها الأولى المعروفة، هي عملتها التي تبقيها على مستويات منخفضة مقارنةً بالدولار الأميركيّ، ممّا يخفِّض قيمة صادراتها ويرفع قيمة الواردات.

نتيجة ذلك، زاد مخزونها من العملات الصعبة عن 2400 مليار دولار عام 2009، ممّا يضعها في موقفٍ يصعب على أيٍّ كان الضغط عليها لرفع سعر عملتها.

فهي لا تحتاج إلى صندوق النقد الدوليّ الذي يتدخّل اليوم في الشؤون الأوروبيّة لإنقاذ دولها، بل تمنع أيضاً صدور تقاريره منذ 2007 (حسب معلومات صحيفة النيويورك تايمز)، لأنّه بالضبط «ينصحها» بإعادة تقييم عملتها.

ومن المتوقّع أن يكون التحضير لمؤتمر مجموعة العشرين (G20) القادم صاخباً حول هذا الموضوع؛ وتخشى الولايات المتّحدة ومجلس نوّابها المتشدّد، أنّه في حال صدور قرارات حمائيّة ضدّ البضائع الصينيّة، فقد تنطلق الآليّة التي شهدها العالم في أزمة ثلاثينات القرن الماضي، حيث لعبت قرارات الحماية وتخفيض العملات المتتابعة، دوراً مهمّاً في حدوث الكساد الكبير.

الوسيلة الثانية، والتي قلّما يتطرّق الحديث إليها، هي البحوث والاختراعات. لقد ازداد الإنفاق على هذه البحوث بوتيرةٍ سنويّة قدرها 18% منذ 1995، حسب منظّمة التنمية والتعاون الاقتصاديّة OECD؛ بحيث أضحت الصين اليوم في المرتبة الثالثة من حيث الإنفاق على البحوث، بعد الولايات المتّحدة واليابان.

وهناك اليوم 1700 جامعة في البلاد، تحوي 96% من مختبرات البحوث وتستهلك 70% من الإنفاق عليها؛ وينتج عنها 120 ألف مقالة علميّة سنويّاً، أي المرتبة الثانية بعد الولايات المتّحدة. تشمل مواضيع هذه المقالات جميع التقانات الحديثة، حتّى الزراعة والعلوم الأحيائيّة؛ مع نسبةٍ كبيرة من البحوث المعنيّة جرى إنجازها في شراكات مع مراكز البحوث المرموقة عالميّاً.

وتعُدّ الصين حوالي مليون ونصف باحث، أي تقريباً ما يوازي عددهم في الولايات المتّحدة أو أوروبا؛ لكنّهم لا يشكّلون فيها سوى 2 من أصل كلّ ألف مشتغل، في حين تصل هذه النسبة إلى 10 في اليابان أو الولايات المتّحدة.

هكذا لم يعُد التساؤل هو عن قدرة الصين على أن تصبح الدولة الأولى علميّاً في العالم، بل متى سيحصل هذا؟ ولم تعُد الصين هي التي تبحث عن شراكات في مراكز البحوث الأميركيّة والأوروبيّة، بل العكس هو الصحيح.

الوسيلة الثالثة للصين، هي قدرتها على التخطيط على المدى البعيد، وخلق أنماط تعاون مختلفة عن السياسات التي اعتمدها الغربيّون.

فهي لم تركّز فقط على شراكتها مع الولايات المتّحدة، بل دخلت في شراكات مع دول محيطها في جنوب شرق آسيا، وتتطلّع إلى التعاون مع روسيا لتنمية سيبيريا القريبة الغنيّة بالموارد والقليلة السكّان، وتقيم شراكات وتستثمر في أميركا اللاتينيّة والعالم العربيّ وإيران وآسيا الوسطى، وحتّى في أفغانستان؛ إلاّ أنّ سياستها الاستثماريّة الأكثر بروزاً، هي في إفريقيا.

فالظاهر أنّ الصين لا تراهن هناك فقط على استثمار الموارد المنجميّة لتأمين حاجاتها، بل أيضاً على بلدان إفريقيا كأسواقٍ كامنة لمنتجاتها، وعلى النهوض ببنى الطاقة والطرق والسكك الحديديّة وغيرها. هذا في وقتٍ تحتاج فيه بلدان إفريقيا لمشاريع تنمويّة، خاصّةً بعد تقلّص المساعدات الغربيّة.

اللافت أيضاً في الشراكات المقامة أنّ عامل اللغة لم يشكّل عائقاً حقيقيّاً، وأنّ الخلفيّة الثقافيّة للتعاون لم تكُن على أسس تبشيريّة كنشر الكاثوليكيّة أو البروتستانتيّة ـ وإن تكاثر إنشاء المراكز الكونفوشيّة، هذا إذا ما اعتبرت الكونفوشيّة ديانةً ـ بل اعتمدت إنشاء مدارس لتعلّم اللغة الصينيّة والمنح الدراسيّة.

يطرح صعود الصين تحديات حقيقيّة على العالم العربيّ، سواء على مستوى المقارنة بين السياسات، أو على مستوى العلاقات المستقبليّة مع هذا البلد وشرق آسيا بشكلٍ عام. فمن ناحية السياسات الصناعية، والسياسات الماليّة وأسعار الصرف، وسياسات البحوث العلميّة، يمكن قول الكثير مقارنةً مع الصين. والأهمّ هو في مجال النظرة البعيدة الأمد، والحنكة والثبات في بناء الشراكات الإقليميّة القريبة (أي ضمن العالم العربيّ على الأقلّ) ومع المجموعات الأخرى.

ولكنّ هناك أمراً يستحقّ انتباهاً خاصّاً. ففي حين يتمّ تشجيع جامعات أميركيّة وأوروبيّة في الدول العربيّة كافّة، لدرجة أنّ الخريجين الجدُد فقدوا حتّى لغتهم العربيّة، كم من الجهد يبذل لتأهيل الأجيال القادمة في البلاد العربيّة للتعامل مع الصين؟ كم هي المدارس التي تعلّم اللغة الصينيّة؟ وكم هي الجامعات التي تخلق شراكات مع الجامعات الصينيّة؟ كم هي مراكز البحوث والجامعات التي تدرس النموذج الصينيّ وتأخذ العبر من تجربته؟!

عندما جنّ هانتينغتون ووضع نظريّته حول صراع الحضارات، قال إنّ الخطر الأكبر على «الحضارة الغربيّة» يكمُن في التقاء الحضارتين العربيّة الإسلاميّة والصينيّة الآسيويّة. والظاهر أنّ العرب يقومون بكلّ ما هو لازم حتّى لا تلتقي هاتان الحضارتان، ولا تتحقّق النبوءة!

رئيس منتدى الاقتصاديين العرب

aita@mafhoum.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات