منذ خمسين عاما، أي في مطلع الستينات، عندما اشتد حماسنا لدعوة جمال عبد الناصر للوحدة العربية، كان الداعون للوحدة يعترفون بأسف، بوجود شرائح صغيرة من الطبقة المتوسطة في البلاد العربية تناهض الوحدة، إذ تجد مصالحها الاقتصادية الضيقة، خاصة مصالحها التجارية، تتعرض للضرر نتيجة لما لا بد أن تؤدي إليه الوحدة الاقتصادية من إغلاق أبواب التجارة مع البلاد الأكثر تقدما اقتصاديا، بغرض تشجيع نمو الصناعات المحلية.
كانت هناك أيضا شرائح صغيرة من المستهلكين، خاصة من ذوي الدخل المرتفع، تنظر شزرا إلى مشروع الوحدة، إذ كانت تنفر مما قد تجبرها عليه الوحدة من التخلي عن مستويات استهلاكها البالغ الارتفاع. كانت هناك كذلك شرائح البيروقراطية في كل بلد عربي، التي حصلت على مراكزها وامتيازاتها، خلال العقود الأربعة التي تلت تقسيم المشرق العربي إلى دويلات، نتيجة تفتيت أوصال الدولة العثمانية.
لقد أصبح لكل من هذه الدويلات ملك أو رئيس وبرلمان وعلم ونشيد وطني، ساهمت كلها في خلق نوع من الولاء للدولة الصغيرة، وبيروقراطيات تتمتع بامتيازات اجتماعية، ولا تحب أن ترى نفسها وقد ابتلعتها بيروقراطية دولة عربية موحدة. ومع كل هذا فقد كان الحال منذ خمسين عاما، أهون بكثير في هذا الصدد منه الآن.
فالمصالح الاقتصادية الضيقة نمت خلال هذه الخمسين عاما وترسخت، وعادات الاستهلاك الترفي ازدادت قوة مع نمو الدخل، وخاصة عائدات النفط، والبيروقراطية المحلية نمت أيضا وتشعبت.
ربما كان الأهم من كل ذلك في إضعاف الشعور بالولاء للأمة العربية ككل، اشتداد تغريب الحياة الاجتماعية وزيادة الافتتان بكل ما ينتجه الغرب. نعم، كانت الدول العربية قد تعرضت لموجة من التغريب في العقود الأربعة التالية للحرب العالمية الأولى، ولكن التغريب طوال تلك الفترة ظل محدودا بحدود النسبة الصغيرة التي يمثلها سكان الحضر، والتي لم تكن تزيد في منتصف القرن على 20% من إجمالي السكان، باستثناء لبنان ودول الخليج.
بل وحتى سكان الحضر لم يكونوا قد عرفوا بعد جهاز التليفزيون والأقمار الصناعية، ولا ما شاهدناه في نصف القرن الماضي من أعداد غفيرة من السياح الآتين من الغرب. كل هذا ساهم في زيادة تغريب الحياة الاجتماعية العربية، ومن ثم في إضعاف درجة الولاء لفكرة القومية العربية.
بعبارة أخرى، يمكن القول ان النمو السريع الذي حدث خلال الأربعين أو الخمسين عاما الماضية، في حجم الطبقة الوسطى العربية، خلق قوة جديدة محتملة يمكن أن تدعم حركة القومية العربية، ولكن التغيرات التي طرأت على خصائص الطبقة الوسطى خلال هذه الفترة، كانت ذات أثر سلبي للغاية في هذه الحركة.
أضف إلى هذا تطورا مهما آخر حدث خلال الخمسين عاما الماضية، يتعلق بما طرأ على المكانة النسبية التي تتمتع بها مصر بين الدول العربية. لقد كانت كل من الحركات العربية الثلاث السابقة، تستند إلى إرادة قوية لقائد طموح، ويساعده في دعم مشروعه للتوحيد تاريخ مشرف.
كان قائد الحركة الأولى محمد علي يستند إلى تاريخ مشرف من الانتصارات العسكرية، وقائد الحركة الثانية حسين بن علي يستند إلى انتسابه إلى أسرة نبي الإسلام، وقائد الحركة الثالثة جمال عبد الناصر يستند إلى انتصارات مدوية في تحدي الاستعمار ونجاحه الباهر في معركة تأميم قناة السويس.
كان قائد مشروع التوحيد في تجربتين من هذه التجارب الثلاث، هو رئيس مصر القوي. وكان هذا طبيعيا ومفهوما، بالنظر إلى أن مصر كانت هي الدولة الأكثر سكانا بين البلاد العربية، والأقوى أثرا سياسيا وثقافيا.
ثم حدث تدهور مذهل في مكانة مصر خلال نصف القرن الماضي، كان لا بد أن يؤثر تأثيرا سيئا للغاية في حركة التوحيد. كانت بداية هذا التدهور في المكانة النسبية لمصر، هي بالطبع هزيمتها في حرب 1967 التي أضعفت بشدة صورة مصر كدولة قادرة على حماية شقيقاتها من أي عدوان خارجي.
تلا هذه الهزيمة اعتماد مصر اعتمادا كبيرا لعدة سنوات على ما يقدم لها من معونات مالية من الدول العربية الأكثر ثراء. لم يستطع النجاح العسكري الذي حققته مصر في 1973، إحداث تحسن كبير في مكانة مصر في العالم العربي، إذ لم يجلب هذا الانجاز العسكري إنجازاً سياسياً، بل فرض على مصر على أثر حرب 1973 اتخاذ مواقف مهادنة لإسرائيل ومهينة للعرب.
ومع ازدياد تبعية مصر للولايات المتحدة في أعقاب 1973، فقدت مصر الكثير مما كانت تتمتع به من توقير من الدول العربية الأخرى. فبعد أن كانت مصر بمثابة الكعبة التي يحج إليها السياسيون العرب قبل أن يتخذوا قرارا حاسما يتعلق بدولة عربية أخرى، أو بالموقف الواجب اتخاذه تجاه دولٍ كبرى، أو حتى قرارا يتعلق ببعض شؤون دولتهم الداخلية، لم يعد السياسيون العرب يأتون إلى القاهرة إلا لماما.
فإذا أتوا فالأغلب أن تكون الزيارة زيارة مجاملة أو لحضور اجتماع ثقيل على نفوس الجميع، ويعرف الجميع مقدما أنه لا نفع فيه، والسياسيون المصريون إذا ذهبوا لبلد عربي، فنادراً ما يكون هذا للمساهمة في حل مشكلة هذا البلد العربي، بل الأغلب أن يكون إما لحل مشكلة مصرية (كثيرا ما تكون مشكلة مالية)، أو لتبليغ رسالة جاءت إلى مصر من طرف غير عربي.
كانت مصر في منتصف القرن الماضي أعلى الدول العربية دخلا (مقاسا بمتوسط دخل الفرد)، باستثناء واحد هو لبنان، فأصبحت الآن أقل الدول العربية دخلا (بنفس المقياس)، باستثناء الصومال وموريتانيا واليمن، بل وبدون استثناء السودان بعد أن زاد دخل السودان من النفط.
وكان لا بد أن يظهر أثر هذا الضعف الاقتصادي في مختلف نواحي الحياة الأخرى، السياسية والاجتماعية والثقافية والإعلامية. كانت محطة إذاعة زصوت العربس المصرية تستحق الاسم الذي تحمله.
ولكن تغيرت أمور كثيرة منذ ذلك الوقت، وإذ حل التليفزيون محل الراديو، ثم دخلت القنوات الفضائية كل بيت عربي، استطاعت زقطرس الصغيرة أن تسلب من قنوات التليفزيون المصري جمهورها، واكتسبت نشرات أخبار زقناة الجزيرةس القطرية مصداقية أكبر بكثير مما تتمتع به أي نشرة أخبار مصرية.
كان لا بد لهذا الضعف الذي أصاب مركز مصر النسبي في العالم العربي، أن يصيب أيضا فكرة القومية العربية والولاء لها والأمل في تحقيق الوحدة.
وقد كان ما حدث في مباريات كرة القدم الأخيرة بين مصر والجزائر دليلا قاطعا، بقدر ما كان محزنا، على ما أصاب الشعور بالولاء للقومية العربية من ضعف لدى المصريين والجزائريين على السواء.
وأظن أن ما حدث حينئذ لا بد أنه زاد من إحباط المتعاطفين مع فكرة القومية العربية، حتى في خارج مصر والجزائر.
ولكن مهما كانت قوة العوامل السلبية المؤثرة في فكرة وحركة القومية العربية، من داخل العالم العربي، فإني أعلق أهمية أكبر على دور العوامل المؤثرة فيها من الخارج.
ولكن هذا الدور يستحق مقالا منفصلا.
كاتب ومفكر مصري
sgsaafan@aucegypt.edu
