من المفارقات العجيبة، ما تنقله لنا الصحف مع بداية كل صباح من أخبار مضحكة وأخرى مبكية.
آخرها ـ وبعيدا عن أحزان العالم ودموعنا على ضياع الأندلس وفلسطين والعراق ـ النكتة التي رواها مستشار الأمن القومي الأميركي جيمس جونز، في خطابه الأسبوع الماضي أمام «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، وأقامت هذه النكتة الدنيا ولم تقعدها لدى العديد من اليهود في إسرائيل والولايات المتحدة.
والحقيقة أنها نكتة عادية جدا، تروي حكاية مقاتل من حركة «طالبان» ضلله تاجر يهودي في أفغانستان.
وتقول النكتة: «إن عنصراً من «طالبان» ضلّ طريقه في الصحراء وأخذ يبحث عن الماء، إلى أن وصل إلى تاجر يهودي وطلب منه أن يسقيه، لكن الأخير قال له إن لا ماء لديه، واقترح عليه بدلاً من الماء أن يبيعه ربطة عنق.
ويروي جونز أن العنصر إياه بدأ كيل الشتائم والصراخ في وجه البائع، الذي اقترح عليه أن يتوجه إلى مطعم وراء تلة قريبة لشراء الماء. فغادر العنصر غير أنه عاد بعد ساعة، وخاطب البائع: قال لي شقيقك إن عليّ أن أرتدي ربطة عنق لأتمكن من دخول المطعم».
بالطبع هذه النكتة لا تحمل أي إساءة، لا إلى رموز الدين عند اليهود ولا إلى فساد رجال السياسة لديهم، ولا تشير إلى بخلهم الذي عرفوا به، ولا اتهامهم بالكذب الذي عرفوا به أخيرا، وإنما بالعكس تماما، تثبت مدى تعاونهم لأجل التحايل على الغير.
ومع ذلك، ولكونها نكتة أضحكت العالم عليهم، كان لا بد أن تواجه بأسلوب اليهود في استخدام ورقة الجوكر المسماة «معاداة السامية»! ويكفي أن يرفع أصغر طفل يهودي ورقة الجوكر هذه في وجه أكبر زعيم أميركي أو عالمي، حتى يرتعد خوفا ويقدم اعتذاره وأسفه في بيان رسمي أمام صحف العالم ووسائل إعلامه. وهذا ما حصل بالفعل لمستشار الأمن القومي الأميركي جيمس جونز.
لنقرأ سويا ما ذكره هذا المستشار المسكين في بيان رسمي أمام وسائل إعلام العالم مساء الأربعاء الماضي: «أتمنى لو أني لم أتفوّه بهذه النكتة المرتجلة في بداية ملاحظاتي. أعتذر لكل من ضايقته النكتة». وقال الناطق باسم البيت الأبيض روبرت غيبس، رداً على سؤال عن سبب الاعتذار: إن «بعض التحقيقات أجريت، وكما قال جونز، يتمنى لو أنه لم يتفوّه بها».
هكذا ولا بلاش!
بل إن المسألة لم تقف عند حد الاعتذار الشفوي، فقد تعدته إلى الاعتذار ببيان رسمي، والأدهى من ذلك، أن هناك تحقيقات سوف تجرى في حق هذه النكتة، وقد يفقد هذا المستشار المسكين كل شاراته وامتيازاته ومنصبه وراتبه ومستقبله وماضيه وسمعته وسمعة عائلته، ولا يخرج من بيته بعد ذلك عقابا لنفسه على «عملته السودا» في حق هذا الشعب اليهودي المسكين المظلوم.
الذي يقوم العرب والمسلمون بقتل أطفاله ونسائه في كل يوم بالذخيرة الحية والقنابل الفسفورية والمحرمة، ويهدمون بيوتهم على رؤوسهم ويستوطنون أراضيهم التي ورثوها عن التوراة، ويملكون القنابل النووية ويهددون بإحراقهم بها كما فعل بهم من قبل أدولف هتلر وأصحابه.
يبدو أن النكتة انقلبت على صاحبها، فموقفه واعتذاره أصبح النكتة التي يتداولها الناس اليوم في مجالسهم. ونذكر بأنه بدرجة مستشار أمن قومي وليس فردا عاديا، وهيئته تهد جبلا.
فكيف يكون لهذا الرجل الديمقراطي الهيبة، بتاريخه العسكري الطويل وبنياشينه التي تصل إلى ذقنه، في البلد الديمقراطي المهيب الذي يخيف العالم بما يمتلكه من قدرات نووية وعسكرية وأساطيل، أن يرتعد أمام تكشيرة بسيطة من يهودي لا حيلة له ولا قوة؟ وكيف قدر لمستشار الأمن القومي (بما في هذه الكلمة من معانٍ) أن يفقد هو نفسه «الأمن» على أرضه؟
لا أحد يعرف، ولكن يبدو أن السر موجود عند لاعبي كرة القدم والدجاجة! فالهجوم أفضل وسيلة للدفاع في ملعب كرة القدم، والدجاجة الصغيرة تنفش ريشها فيهرب منها الأسد في حظيرة الدواجن.
يبدو أن اليهود سوف يشقون كثيرا في حياتهم الدنيا دون أن يستمتعوا بها، وفي حياتهم الأخرى لما يصنعونه في حق الفلسطينيين.
فهم إما مشردون أو غير مستقرين، وعلى الدوام في حالة حرب مع العالم أجمع، حتى مع أميركا ومستشاريها. و إذا صح لهم أن يحاسبوا كل إنسان على الكرة الأرضية على كلمة أو نكتة تخص اليهود، فهذا يعني أنهم سيقضون حياتهم الباقية قبل قيام القيامة على الركض وراء المهرجين.
آخر نكتة مثلا، تقول بأن هناك عجوزا فلسطينيا مزارعا كتب إلى ابنه الوحيد المعتقل في أحد سجون إسرائيل، شاكيا عدم قدرته وهو في هذه السن المتقدمة على حرث أرضه لزراعة البطاطا، وينتظر عودته ليساعده في حرثها، فرد عليه ابنه في رسالة خطية، طالبا منه عدم انتظار عودته وعدم حرث الأرض، لأنه خبأ بها قطعا من الأسلحة.
وفي اليوم التالي كانت مزرعة الفلسطيني العجوز محاطة بمئات من جنود اليهود الذين قاموا بنبش المزرعة عن بكرة أبيها، ولكنهم لم يجدوا أي قطعة سلاح، فتركوها وانصرفوا.
فكتب العجوز لابنه يشتكي غاضبا مما فعل جنود اليهود بمزرعته، فرد عليه الابن: «الآن بإمكانك زراعة البطاطا يا أبي، وهذا كل ما أستطيع أن أفعله لك وأنا في السجن»!
جامعة الإمارات
dralaboodi@gmail.com
