كشفت الأزمات الراهنة عن الأهمية الاستراتيجية لمناطق جنوب القوقاز في الصراعات الجيوسياسية الدولية، والتي لا تعود فقط لتقسيم مناطق النفوذ، وسياسات الهيمنة على أهم ممرات وطرق الاتصالات بين مناطق وسط آسيا وأوروبا، وإنما ترتبط بالدرجة الأولى بثروات النفط والغاز في حوض بحر قزوين.
ولهذا السبب بالتحديد، يمكن أن يتحول إقليم القوقاز إلى بؤرة مواجهة ساخنة بين مراكز القوى الدولية، وأن تشهد صراعات سياسية وصدامات مسلحة.
وتعتبر أزمة ناغورني قره باخ بين أرمينيا وأذربيجان من الصراعات المؤثرة في السياسة الروسية، إذ تدرك موسكو أن منطقة قره باخ هي المرتكز الأساسي لمصالحها في جنوب القوقاز، وبشكل خاص في حوض بحر قزوين.
لذا حرص الكرملين على إقامة صلات وثيقة مع قادة أرمينيا وأذربيجان، في محاولة للتوصل إلى حل جذري لأزمة قره باخ.
ومارست موسكو ضغوطاً على كل من يريفان وباكو، لاقتصار سبل التفاهم بينهما لتسوية هذه الأزمة باتباع الوسائل السلمية، ما أسفر عن توقيع اتفاق تعاون بين حكومتي أذربيجان وأرمينيا في العاصمة الروسية عام 2008.
لذا تكثف روسيا مساعيها للحفاظ على علاقات متوازنة مع أرمينيا وأذربيجان، ليس فقط لأنهما طرفان في صراع تلعب موسكو دور الوسيط فيه، أو انطلاقاً من حرص روسيا على حماية مصالحها في جنوب القوقاز وحوض بحر قزوين فقط، وإنما أيضاً بسبب الأهمية الاستراتيجية للوجود العسكري الروسي في أرمينيا، وبسبب الدور الذي تلعبه أذربيجان في أسواق الطاقة العالمية.
وتعتبر واشنطن المنافس القوي لموسكو في هذه المنطقة، والتي تمكنت خلال السنوات الماضية من نسج علاقات جيدة مع كل من أرمينيا وأذربيجان، عبر منح البلدين إعفاءات وتسهيلات كبيرة، مقابل فتح الأبواب أمام الشركات الأميركية للعمل في أسواق البلدين.
كما سعت إسرائيل لإقامة صلات خاصة مع أذربيجان، بعد أن تدهورت علاقات تل أبيب مع حليفها التركي، ليس فقط بسبب النفط والغاز، وإنما لأن أذربيجان لديها حدود مشتركة مع إيران.
الطرف الإيراني أيضاً لم يتغيب عن الساحة، بل حاول إقامة صلات تضمن أمن طهران. في البداية التزمت إيران الحياد في الصراع الأرميني ـ الأذربيجاني، بل وتقدمت بمبادرة إيرانية لتسوية أزمة ناغورني قره باخ، لكنها لم تحقق نجاحاً يذكر، إلا أن سياسات أذربيجان الموالية للغرب، وصلاتها الجيدة مع إسرائيل أثارت قلق إيران، الأمر الذي دفع طهران إلى تحذير حكومة باكو من القيام بإجراءات معادية لإيران.
ولم يختلف السيناريو كثيراً في ما يخص الملف الجورجي، سوى أن حكومة تبليسي دخلت صراعاً ضد روسيا في الإقليم، بدعم غربي ـ إسرائيلي، وتفجرت حرب أغسطس 2008، التي أسفرت عن توسع الوجود العسكري الروسي.
وبات واضحاً أن أطراف الصراع الدائر قد بلورت مرتكزات لها في المنطقة، إذ تتعاون روسيا بشكل مكثف مع كل من أرمينيا وأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، ولها وجود قوي في إقليم ناغورني قره باخ، فيما يراهن الغرب على جورجيا وأذربيجان.
ويبدو واضحاً أن احتدام الصراع في القوقاز، يقود إلى اصطفافات وجبهات تنذر بتقسيم جورجيا وأذربيجان إلى مناطق نفوذ، والمشكلة أن الدافع الأساسي لتفاقم هذا الصراع، هو مساعي واشنطن الحثيثة لتوسيع وجودها العسكري في وسط آسيا، وبالقرب من منابع الطاقة في حوض بحر قزوين.
ورغم أن الولايات المتحدة تعتمد على نفط الخليج، نظراً لوجود معظم الاحتياط العالمي غير المستخرج فيه، فمن المرجح أيضاً أن تحاول تخفيف هذه التبعية إلى أقصى حد، عبر تنويع مصادر استيرادها للطاقة، باعتبار أن التنويع مهم، ليس لأمن الطاقة فحسب، بل للأمن القومي.
لذا يلقى حوض بحر قزوين ووسط آسيا اهتماماً أميركياً خاصاً، إذ يبلغ الاحتياطي المثبت من النفط في حوض قزوين، بما بين 5,17 و34 مليار برميل، وهو يضمن تدفق النفط المطلوب إلى المستهلكين في الغرب لعقود طويلة مقبلة.
هذا الوضع يدفع للاعتقاد بأن المرحلة المقبلة يمكن أن تشهد صراعات سياسية وعسكرية حادة في المنطقة، إذ سيسعى الغرب للسيطرة على منابع الطاقة، سواء في حوض بحر قزوين أو في وسط آسيا، وتأمين طرق نقلها، ما لم تتبنّ الإدارة الأميركية منطق مراعاة مصالح كافة الأطراف، وتقبل حقيقة النفوذ الروسي في المنطقة، وضرورة احترام مصالح روسيا فيها.
كاتب روسي
Luon1935@kin.ru