فتحت الذاكرة وقلبت صفحاتها ويبدو أن هذا الفعل في هذا الزمان يجلب الوقوع في ورطة المقاربات والمقارنات.. قال لي القارئ «علي» بالأمس، إنني أتحدث من زمن الغبار.. واليوم أعرض لكم رسالة تلقيتها عبر البريد الالكتروني من الإعلامية عائشة العاجل، وجدت فيها شيئاً قيماً كما كانت القيمة في تعليقات «علي» وهزله الجاد الذي أحببته.. تقول عائشة العاجل معلقة:

«تشكلت استخداماتنا وفق السياقات التي تأتي بها العولمة، والانفتاح على الآخر، فانشطرت الذات الإنسانية والهوية إلى العبث في التعاطي مع التقنيات، بدءاً بالتلفاز الذي تحول دوره من مقدم لبرامج وحوارات وتغطية أخبار وتسلية إلى دور توعوي وتثقيفي ومكرس لأيديولوجيات فكرية وأنماط سلوكية وشطح أخلاقي وتفاعلي بين الفرد والتلفزيون، من خلال الرسائل النصية التي تطالعنا بها بعض القنوات، وكأن المسرح مفتوح على عواهنه.

ولا قيود للبث ولا رصانة في الطرح ولا تقليد يشي بالوعي والفهم والمسؤولية الاجتماعية والفكرية، ناهيك عن التخبط والانزلاق نحو التفرقة والتسطح نحو إفلات الخيوط الرابطة بالكيان والوجود والقيم الإنسانية التي هي أساس البناء.

إن التعاطي مع التلفاز أصبح له شكل مختلف ونتاجات مختلفة أفرزت بدورها رهانات تصب في المجتمع غثها وسمينها في مواعين البشر، على اعتبار أن المجتمع كتلة متسقة المعالم في مثالياتها، إلا أن الواقع يعلن غير ذلك فالتنوع والانفتاح واختلاف الشرائح المجتمعية والتمازج والتنافر الفكري قدم إرهاصاته في التعاطي مع التلفاز من خلال (الظواهر والمشكلات الأسرية والمجتمعية والأخلاقية).

وانفراط الشباب من عقد الالتحام الأسري نحو خلاص من إكراهات القيم والعادات والتقاليد والأعراف المجتمعية نحو فضاءات العولمة التي عرفت طريقها في جذب الشباب نحو لمعة الموضة والعصرنة .

أن تعود برامجنا (افتح يا سمسم، بابا ياسين، ماما أنيسة، لبيبة، السندباد، حكايات الشعوب...) يحتاج لعودتنا من جديد، أو تشكل أجيالنا بارتباطات لا تفككها التغيرات واحتمالاتها.

وتحتاج لرصد خيالات وإبداع الجيل الجديد وتوظيفها في برامج قادرة على تجسير العلاقة بين الفرد والتلفاز من جديد، بشكل يضاهي علاقته بالانترنت والبرامج التي يرتبط بها الشباب بشكل إدمان أو أكثر، ليس ذلك وحسب وإنما نحتاج لدعم مؤسساتي وسياسي وثقافي واقتصادي يصب في صناعة البرامج الخاصة بكل شريحة الطفل أولاً الشباب، ربات البيوت، المثقفين، المرأة، الرجل، دون إغفال لدور الإعلان الذي أصبح يغني خارج سرب حمام الوطن، وينتهج منهجاً غربياً لا قيمة ولا منطق ولا وعي ودون مسؤولية.

لا نريد أن نعود لبرامجنا التقليدية لأنها لن تضيف إلا التخلف عن الركب، ومسايرته أولى، ولكن بترس من حديد حول القيم والأعراف والتقاليد والهوية وحول التأصيل ولا تفريط في ذلك».. انتهت الرسالة.

mhalyan@albayan.a