وسط سيل من التصورات والتكهنات بشأن التزوير والفساد، الذي ضرب أطنابه في «وول ستريت»، ابتداء من سماسرة العقارات الذين ورطوا أنفسهم في ديون كانوا يعلمون أنهم لن يقدروا على سدادها، إلى «غولدمان ساكس» الذي باع للعملاء سندات مالية فاشلة، يستعد مجلس الشيوخ الأميركي ليطلق خطة إصلاح تتعلق بوول ستريت، والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة على الساحة هو: هل سيقدم مجلس الشيوخ على تفكيك البنوك الكبرى أم لا؟

يسعى الديمقراطيون في مجلس الشيوخ لاتخاذ قرار بهذا الشأن، حيث إن مجلس النواب أصدر مشروع قانون إصلاح لم يصوت لصالحه أي من الجمهوريين، لكن يرى معظم الخبراء أن الجمهوريين لن تواتيهم الجرأة على الوقوف في وجه الإصلاحات الأساسية.

وهنا تكمن القضية الأساسية فيما إذا كان مجلس الشيوخ سيضع حداً لحجم البنوك الكبيرة أم لا، فقد تم إنقاذ البنوك الكبيرة من الإفلاس، لكن لم يتم إصلاحها، حتى أنها نهضت من كبوة الأزمة أكبر وأقوى مما كانت عليه، فعادت لفتح «كازينو» قروضها، وبدأت توزيع ملايين الدولارات يميناً وشمالاً، وما لم يتم اتخاذ أي إجراء بحقها، فإنها، بلا شك، ستعود إلى ممارساتها السابقة، التي قادت أميركا إلى حافة الهاوية.

غير أن الوضع أسوأ من السابق، لأن البنوك الكبيرة غدت أكبر، حيث تمتلك أكبر ستة بنوك أميركية، وهي «جيه بيه مورغان تشيس» و«سيتي غروب» و «مورغان ستانلي» و «ويلز فارغو» و«بنك أميركا» و «غولدمان ساكس»، من الأرصدة ما يزيد على 60 % من إجمالي الناتج القومي الأميركي، بينما كانت تمتلك قبل عشرين عاماً أقل من 20 %.

وكما أوضح السناتور بيرني ساندرز بالقول : « تملك أربعة من البنوك الكبرى نصف الرهون العقارية في الولايات المتحدة، وتسيطر على ثلثي بطاقات الائتمان، وتحوز 40% من مجمل الودائع».

تبدو تلك البنوك الآن، وبشكل رسمي، أبعد ما يكون عن الانهيار، وهذا يعني أنها أكبر من أن ينجح أحد في كبح جماحها في السوق، لأنها تحمل بين يديها وعداً صريحاً من الحكومة بإنقاذها، إن تعرضت لمشكلات مرة أخرى.

إن تأثير هذا التوجه مثير للفساد، فبإمكان تلك البنوك الاقتراض بفائدة أقل من البنوك الصغيرة، لأن المقرضين يعلمون، أنه مهما كانت المخاطر كبيرة، فلن تتخلى الحكومة عن تلك البنوك، كما أنها تمارس قدراً كبيراً من الحرية في مقامراتها ومضارباتها، لأنها على ثقة من أنها إن ربحت، فالأرباح ستعود إليها، وإن خسرت فإن دافعي الضرائب هم من سيتحمل الخسارة.

الأهم من كل هذا، أن تلك البنوك تتمتع بقوة سياسية كبيرة، فهي التي تمول الانتخابات، وهي التي تنفق مليون دولار يومياً، لكي تعرقل خطط الإصلاح المالي. إن ثروات تلك البنوك هي التي جعلت من أربابها مستشارين، سواء داخل المكاتب السياسية أو خارجها، كما أن قوتهم سمحت لهم بأن يصيغوا القوانين بالشكل الذي يعزز نفوذهم.

تجاوزاتهم تلك هي سببت الدمار للاقتصاد الأميركي، وهي التي ضاعفت الدين القومي، والتي أدت بالملايين من الناس لأن يفقدوا بيوتهم ووظائفهم، وكبدتهم تريليونات الدولارات من مدخرات التقاعد وقيمة العقارات، لذلك الآن، وليس غداً، هو الوقت الأنسب للجمهم.

وفي الوقت الحالي، فلم يحدد كل من مشروعي مجلس النواب أو الشيوخ الحجم الأقصى للبنوك، لهذا فإن السناتورشيرود براون والسناتور إدوارد قد وضعا مشروع قانون بنوك آمن، حددا فيه حجم المؤسسات المصرفية، واشترطا فيه أن لا تزيد خصوم البنوك غير القابلة للإيداع عن 3% من الناتج القومي الإجمالي.

إذن، من المرجح، أن تحتدم المعركة لتعديل مشروع قانون مجلس الشيوخ من أجل إدراج ذلك في طياته، لكن معظم المحللين يرون أن هذا التعديل لن يراوح مكانه، لأن البنوك ستعطله، لهذا جاء دور المواطنين الذين ينبغي عليهم أن يتكلموا، ذلك أن السياسيين من كلا الحزبين يعلمون أن الناس مستاؤون من خطوة الحكومة المتمثلة في إنقاذ تلك البنوك، كما أنهم يعلمون أن الوقت الحالي ـ بعد أن كشفت الأزمة المالية مقدار الفساد والهشاشة في وول ستريت- هو الأنسب على الإطلاق لتنظيم عمل تلك البنوك.

مرشح سابق للرئاسة الأميركية

opinion@albayan.ae