جولة أخرى هي الرابعة عشرة التي يقوم بها السيناتور الأميركي جورج ميتشل إلى المنطقة منذ تسلمه مهماته كمبعوث أميركي لعملية سلام الشرق الأوسط، في فبراير العام الماضي.

لم تنخفض التوقعات بشأن عزم إدارة الرئيس باراك أوباما على معالجة الصراع الفلسطيني والعربي المزمن، بالرغم من حيوية التحرك الأميركي، والانحناءات أو التراجعات التي وقعت في الموقف الذي بدأ به ميتشل مهمته وكان مدعاة لتفاؤل الفلسطينيين والعرب، حين طالب بتجميد الاستيطان بما في ذلك لأغراض النمو الطبيعي كسبيل لاستئناف المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية.

الفلسطينيون بعكس الإسرائيليين كانوا قد تفاءلوا خيراً باختيار الرئيس أوباما لجورج ميتشل مبعوثاً له لعملية السلام، فهو على دراية بالملف، وسبق له أن قدم تقريراً تضمن انتقادات واضحة للنشاطات الاستيطانية، فضلاً عن كونه صاحب خبرة طويلة في هذا المجال.

يمكن انطلاقاً من الموقف الشخصي أن يصل البعض إلى استنتاج سريع، يقضي بمطالبة القيادة الفلسطينية لإقفال خيار المفاوضات، بسبب التعنت الإسرائيلي وفشل كل المحاولات الأميركية الدؤوبة، في تأمين شروط استئناف المفاوضات.

غير أن هذا الاستنتاج يتجاهل استخلاصات مهمة لا ينبغي على صناع السياسة إغفالها، بغض النظر عن أية ملاحظات تتصل بالنتائج أو حتى بطبيعة الأداء التفاوضي الفلسطيني من حيث مهنيته.

أولاً: العالم كله يجمع الآن كما لم يقع في أي وقت قط، على ضرورة إنهاء هذا الصراع، استناداً لرؤية الدولتين، وبالتالي فإن إسرائيل التي ترفض هذه الرؤية حتى الآن تجد نفسها معزولةً نسبياً، وتقع يوماً بعد الآخر تحت ضغوط أخلاقية وسياسية متزايدة.

ثانياً: عندما يعلن الرئيس أوباما، ويكرر أن إقامة دولة فلسطينية، وتحقيق التسوية هي مصلحة استراتيجية أميركية وتتصل بالأمن القومي الأميركي، فإن هذه الإعلانات، تذهب إلى جوهر السياسة والمصالح الأميركية.

في خطابه للعالم الإسلامي من جامعة القاهرة العام الماضي، وضع الرئيس باراك أوباما المسألة الفلسطينية في إطار تاريخي ملزم للمجتمع الدولي فلقد قال نصاً، إن المجتمع الدولي وجد حلاً للمسألة اليهودية بقيام دولة إسرائيل، وعليه أن يجد حلاً للمسألة الفلسطينية عن طريق قيام دولة فلسطين.

منذ ستين عاماً على قيام دولة إسرائيل عام 1948، تبنت الدول الاستعمارية المشروع الصهيوني وساعدت على إقامته ونجاحه في تأسيس دولة إسرائيل، لكنها لم تكن في حينه تعتقد أن حل المسألة اليهودية سينتج مشكلة فلسطينية يتصدع رأس العالم بسببها، وتتعرض مصالح تلك الدول للقلق والخطر.

لقد عقدت الدول الاستعمارية رهانها على إمكانية توطين الفلسطينيين واستيعابهم في محيطهم العربي، باعتباره امتدادهم الطبيعي، وعليه نشطت مخططات التوطين خلال عقد الخمسينيات من القرن الماضي، ولكنها جميعاً لم تنجح في إنهاء القضية الفلسطينية، التي تشكل اليوم الأساس لواحدة من أخطر الصراعات والأزمات الدولية.

ثالثاً: أربع عشرة جولة قام بها جورج ميتشل، عدا عن زيارات أخرى قام بها مسؤولون أمريكيون على مستوى متقدم، تعني أن الإدارة الأميركية ليست في وراد رفع الرايات البيضاء وإعلان الفشل أو التراجع، بقدر ما أن كل ذلك يعني أن هذه القضية تحظى بمستوى من الجدية، تستدعي من إدارة أوباما توظيف قدراتها، لتحقيق اختراق في جدار الجمود الذي تتسم به العملية السياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

عند مقارنة الإدارة الأميركية القائمة مع الإدارة التي سبقتها، نسجل لإدارة أوباما استعداداها للانتقال من آلية إدارة الأزمة، إلى معالجة الأزمة، والاستعداد للاقتراب أكثر من سابقتها نحو العملية السياسية. ما عدا ذلك فإن جوهر الموقف الأميركي لم يتغير إزاء النظرة للحقوق الفلسطينية.

رابعاً: إن الإدارة الأميركية لا تستطيع الاستمرار في تجاهل الحقوق العربية، والانحياز بشكل أعمى للسياسة الإسرائيلية.

وإذا جاز لنا أن نوصف سياسة الرئيس أوباما فإنها تنطلق من رؤية قد تختلف مع رؤية الحكومة الإسرائيلية إزاء أفضل الطرق لتحقيق أمن ومصالح إسرائيل وفي الوقت ذاته تطوير المصالح الأميركية في المنطقة.

وبما أن السياسة الأميركية تتسم بطابع كوني، فهي تستشعر مدى تأثير القضية الفلسطينية، واستمرار حالة الصراع، في الكثير من الظواهر والأزمات الدولية والإقليمية.

خامساً: تحتاج الإدارة الأميركية لإنجاح مساعيها السلمية، إلى وجود حكومة قوية في إسرائيل قادرة على اتخاذ قرار وتحمل المسؤولية. إن حكومة نتنياهو قوية في إسرائيل قادرة على اتخاذ قرار وتحمل المسؤولية، وحكومة نتنياهو تشكل ائتلافاً نموذجياً، إذ أنها تجمع اليمين واليمين المتطرف.

واليسار التقليدي، أي أنها بلا معارضة قوية قادرة على عرقلة التسوية، خصوصاً وأن حزب كاديما الذي يجلس على مقاعد المعارضة، يتبنى سياسة داعمة للتوجهات السلمية.

على الطرف الآخر أيضاً ورغم الانقسام الفلسطيني، فإن الولايات المتحدة تتطلع إلى استيعاب حركة حماس في العملية السياسية، فإن نجحت في ذلك، فإنها ستضمن عدم وجود معارضة فلسطينية قوية وقادرة على إحباط أي تسوية سياسية.

لهذه الأسباب الرئيسية تدرك الإدارة الأميركية مدى أهمية المتابعة مع الأطراف المعنية، ومدى الحاجة للتعقل في ممارسة الضغوط سواء على إسرائيل أو على طرفي الانقسام الفلسطيني.

على أن ثمة ميل دائم لدى الإدارات الأميركية لممارسة الضغط على الطرف الضعيف وهو الطرف الفلسطيني والعربي، لكن بدون أن يصل الضغط إلى مستوى توليد ردات فعل جذرية قد تؤدي إلى قلب الطاولة.

الجولة الأخيرة لميتشل قد تبدو فاشلة رغم أن البيت الأبيض يتحدث عن تقدم وعمل مثمر، لا نعثر عليه في السياسات الإسرائيلية المعلنة والملموسة، والأرجح أن ثمة تفاهمات من تحت الطاولة، يجري إنضاجها، قد تضمن وقفاً سرياً للنشاطات الاستيطانية.

الرئيس محمود عباس رفض بشكل قاطع العرض الإسرائيلي بدولة ذات حدود مؤقتة، لكن ثمة ما يدعو للاعتقاد بأن دعوة لجنة المتابعة العربية للاجتماع، ودعوة الرئيس أوباما لزيارة واشنطن، قد تؤشر إلى وجود تحرك من تحت الطاولة.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com