في زمن الفضائيات واللهاث وراء الاخبار لحظة حدوثها عبر الانترنت هناك مطبوعة يومية في غاية الأهمية، لكنها غائبة أو مغيبة لسبب غير معلوم، هذه المطبوعة تتساوى في الأهمية مع الصحف التي يغلب عليها الخبر السياسي أو الاقتصادي إن لم تكن تفوقها من حيث التأثير ووضع لبنات المستقبل.
صحيفة يومية ثقافية.. تمثل حلما يبدو مستحيلا، لكنها إن صدرت بحرفية عالية فلن يقل تأثيرها عن جامعة للمعارف، تصوغ غدنا الذي نخشى أن تتسع فيه الفجوة التي تفصلنا اليوم عن كثير من الأمم.
الثقافة بمفهومها الواسع هي ما أعنيه، فالعرب بشكل عام تنقصهم المعرفة، وذلك في غيبة الكتاب كسلعة يومية استراتيجية لا تقل في أهميتها عن الطعام الذي نأكل أو الماء الذي نشرب، وفي غيبة فضائيات جادة ومتخصصة في الشأن الثقافي العام وغير الموجه لخدمة نظام بعينه أو أفكار سياسية محددة ومعلبة.
نحتاج صحيفة تضع أيدينا على مكامن التقدم الإنساني في العلوم والفنون والآداب، تطرح للقارئ آخر الأفكار التي تشغل العالم، وتزجي وقته بقراءة آخر الكتب التي أنتجتها دور النشر العربية والعالمية الكبرى، تحاور المبدعين وتنشر آخر نتاجهم، تدخل المعامل مع العلماء لتروي كفاحهم من أجل إنسانية أكثر رقيا وحياة أكثر سهولة، تقدم لقارئها نماذج نجاح في شتى فروع الحياة لكي يفتح عينيه على ما يبعث فيه الأمل، فكفى هذه الأجيال ما غاصت في وحل الإحباط السياسي وفي وحل التخلف العام الذي يعيشه عالمنا العربي.. تعلم الجيل الجديد تاريخه بمعزل عن التوظيف السياسي.. تشرح له بالتفصيل كيف ارتقى العرب يوما وكانوا سادة العالم..
ما الذي هيأ لذلك الجيل الذي انقرض قبل ألف عام لكي ينتج علوما وفنونا وآدابا ظلت محل دهشة العالم وبعضها لا يزال يدرس في الجامعات الغربية حتى اليوم.
المواطن العربي ثقافته بائسة مع بعض الاستثناءات، فالجيل الجديد لا يعرف ويبدو أنه أيضاً لا يريد أن يعرف لأن نظم تعليمنا والطرق التي تعتمدها اغلب دولنا في التثقيف العام طرق منفرة تعتمد على التلقين من جهة والأبوية من جهة ثانية وتكريس تابوهات اجتماعية ودينية من جهة ثالثة من دون أن تعطي الإنسان حقه الطبيعي في أن يعمل عقله، ويصل بتفكيره المجرد إلى القناعات التي تحوز رضا اجتماعيا عاما يناسب ديننا وعاداتنا وأعرافنا وثقافتنا.
نحن تعودنا أن نسلم تراثنا للأجيال اللاحقة كصندوق مغلق ان فتحه الوارث أو قلب فيه أو أمعن الفكر في أي من جزئياته يكون قد ارتكب محرما، والفطرة الإنسانية تنفر من الثقافات المسيجة والمحروسة بحقول ألغام.
نريد صحيفة يومية تعلم الأجيال كيفية التفكير الحر.. كيفية إطلاق العنان للخيال، وإطلاق الطاقات الخبيئة.. تعلم الناس كيف يكتشفون مواهب أطفالهم منذ الصغر لا أن يرسموا لهم قضبانا حديدية ليسيروا عليها مرغمين في تعليمهم ونمط حياتهم.. صحيفة تحرر قارئها من القوالب الجاهزة.. تفتح آفاق الحياة على اتساعها.. تقدم لهم خارطة وافية بالأنشطة الثقافية التي تملأ البلد لكنها مهجورة، فيما يظل جمهورها حبيس شاشة التليفزيون أو متوحدا بأجهزة الكمبيوتر وشبكة الانترنت حيث يجد عالما افتراضيا أكثر ثراء من الواقع الذي يعيشه، لكنه أكثر تسطيحا.
هل هذا حلم مزعج ؟ لا أظن أن صحيفة ثقافية تسبب إزعاجا لأحد، فبين القادة شعراء ومثقفون كبار ولا شك أنهم يعون دور المعرفة العامة في التنمية والنهضة المرجوة ؟ هل هو حلم مستحيل التحقق ؟ لا أظن ايضا، فالإمكانات متاحة، والمهم أن ينهض للفكرة ويتحمس لها من يؤمن بأن خلق شعوب مثقفة يعني ولوج مستقبل ينفض رماد الواقع غير المرضي الذي نعيشه، ويضعنا كتفا بكتف مع الأمم التي نتطلع إليها بإعجاب ونرى أنها حققت منجزات علمية وتنموية مدهشة.
ما الذي ينقص إذن ؟ ليس غير مجموعة من الصحافيين المدربين والمحترفين الذين يؤمنون بدور الثقافة في صنع المستقبل وينفتحون على الواقع الذي نعيشه وعلى العالم بكل ما يمور فيه من أفكار.
